الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأساتذة القدماء ملح الجامعة

بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

الأساتذة القدماء ملح الجامعة

ياس خضير البياتي  

 

ثمّة خطيئةٌ أكاديمية تُرتكب على مهل، وبدمٍ بارد، في عددٍ غير قليل من جامعاتنا، عنوانها العريض: إقصاء الحكمة وإحالة الخبرة إلى التقاعد القسري. فما إن يبلغ الأستاذ الستين حتى يُدفَع خارج أسوار الجامعة، لا لأن عطاؤه نضب، بل لأن المؤسسة قرّرت – بكسلٍ فكري – أن تجعل العمر مقياسًا للعلم، وكأن المعرفة تُقاس بعدد الشموع على الكعكة لا بعدد العقول التي أُضيئت، وكأن الخبرة عبءٌ يجب التخلّص منه لا ثروة ينبغي حمايتها.

هذا السلوك لا يمتّ بصلة إلى الجامعات العالمية الرصينة، حيث يُصان الأستاذ الكبير بوصفه ذاكرة المؤسسة ومرجعها العلمي الأخير. هناك، يُستدعى كبار الأساتذة حين تتعقّد الأسئلة، ويُحتكم إليهم عندما تختلط المعايير.

وباسم “التجديد”، تُقصى القامات العلمية ويُستبدل بها الأرخص ثمنًا لا الأعمق فكرًا. ويُقال للأستاذ القدير، تصريحًا أو تلميحًا، إن زمنه قد انتهى، وتُلصق به استعارة “الإكسباير” كما تُلصق بالسلع، في واحدةٍ من أكثر الصور إهانةً للعلم والجامعة معًا.

وما يثير الدهشة حقًا هو ذلك الحديث المتكرر لزملائنا في جامعاتٍ أهليةٍ أخرى، حيث بات التهميش قاعدةً لا استثناء، وانعدام الاحترام ممارسةً يومية، والإحساس بالعبء هو الشعور الغالب، تُضاف إليه رواتب ضئيلة لا تمتّ إلى مكانتهم العلمية بصلة.

غير أن هذا الانحدار ليس قاعدةً مطلقة. فثمّة جامعات أدركت، بذكاءٍ معاكس، أن استقطاب كبار الأساتذة ليس عبئًا ماليًا، بل استثمارٌ استراتيجي في السمعة والثقل العلمي. ومن بين هذه النماذج القليلة تبرز جامعة النور، التي رفضت منطق الإقصاء لصالح منطق الحكمة.

شخصيًا، كنتُ محظوظًا عندما قادتني الصدفة إليها دون تخطيطٍ مسبق. وكان لقائي الأول بالمستثمر الشاب، الحاصل على دكتوراه في الهندسة، د.بشار محمود، الذي أخذ يشرح لي أدقّ تفاصيل الجامعة خلال جولةٍ ميدانية، ولمستُ لديه رغبةً حقيقية في أن تكون جامعته موطنًا لكبار الأساتذة من مبدعي الوطن.

كان لبقًا في حديثه، واضحًا في أهدافه، مستوعبًا لما يجري في مدينته الموصل، ومدركًا أن الجامعة التي تطرد حكماءها تحكم على نفسها بالهشاشة، وأن المؤسسة التي تستبدل الخبرة بحداثةٍ زائفة لا تنتج علمًا بل ضجيجًا. لذلك عمل على إعادة الاعتبار لكبار الأساتذة بوصفهم خيارًا استراتيجيًا لا مجرّد واجهة.

ولهذا نجد اليوم كبار أساتذة جامعة الموصل وغيرهم في جامعة النور، لا لأنهم بلا بدائل، بل لأنهم وجدوا من يحترم عقولهم، ويصغي إلى خبرتهم، ويفهم أن القيادة الأكاديمية لا تُمارَس بالاستغناء عن الحكمة، بل بالاستناد إليها.

وسأكون صريحًا كما عرفني القرّاء والمقرّبون: لسنا في جامعةٍ تسكن جمهورية أفلاطون، ولا تخلو من مشكلاتٍ إداريةٍ أو علمية، لكنها – بالمقارنة مع كثيرٍ من الجامعات العراقية – تتفوّق بتقاليدها العلمية، ونشاطها في خدمة المجتمع، وعقلها التسويقي الذكي الذي منحها سمعةً علميةً معتبرة وثقةً راسخة في المجتمع المحلي.

أمّا تجربتي الشخصية في جامعة النور – نينوى – فكانت مختلفة؛ شعرتُ فيها بمكانتي العلمية بوصفها احترامًا للعلم ذاته. وبتقدير كبير، وقد عُرضت عليّ قيادة إحدى الكليات، واعتذرتُ لأسبابٍ شخصية تتعلّق بالإقامة لا لقلة تقدير، وهو استثناءٌ نادر في مشهدٍ اعتاد الإقصاء قبل الإصغاء. وهنا يتّضح الفارق: جامعة تحترم كبار أساتذتها فتكتسب وزنًا علميًا حقيقيًا، وأخرى تُقصيهم فتظل تدور في فراغٍ ادّعائي.

غير أنّ نجاح هذا النموذج لا يكتمل من دون خطوةٍ شجاعةٍ ومكمِّلة، تتمثّل في إعادة النظر الجادّة في سلّم رواتب الكليات الإنسانية، التي لا تُقارَن برواتب الكليات العلمية المرتفعة، بما يُكرّس تمييزًا عادلًا يقوم على الخبرة والألقاب العلمية، ولا سيّما لقب الأستاذية.

ومع علمي بأن لدى المستثمر مشروعًا واضحًا في هذا الاتجاه، يُنتظر تفعيله كلما تعاظمت موارد الجامعة واتّسعت إمكاناتها، فإنني أؤكّد لزملائي أنّ هناك قاعدةً قانونيةً واضحة: العقد شريعة المتعاقدين. وكان الأجدر بمن لم يقتنع أن يفتح حوارًا مع الإدارة قبل التوقيع، كما فعلتُ شخصيًا في ماراثونٍ طويل.

ولو أُتيح لرجال العلم الحقيقيين أن يقودوا الجامعات، لا أن يُزاحوا إلى المقاعد الخلفية، ولو أُديرت المؤسسات بعقلٍ أكاديميٍّ واسع الأفق لا بعقلياتٍ استثماريةٍ ضيّقة، لتحوّلت جامعاتنا إلى بيوتٍ للحكمة لا مصانع شهادات. فالعلم حين يُدار بعقل التاجر يفقد رسالته، والجامعة التي تُقصي علمها تُقصي مستقبلها.

ختامًا، الأساتذة القدماء ليسوا عبئًا على الجامعة، بل ضميرها العلمي. ومن يتعامل معهم كتكلفةٍ قابلةٍ للحذف، لا يدير جامعة، بل يفرّغها من معناها. فالجامعة التي تُقصي حكماءها لا تُحدّث نفسها، بل تهدمها بصمت، وتستبدل الرسالة بالربح، والعلم بالضجيج، والهيبة بلافتةٍ مؤقتة سرعان ما تسقط.

 

yaaas@hotmail.com

 


مشاهدات 33
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/01/04 - 2:43 PM
آخر تحديث 2026/01/05 - 1:19 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 585 الشهر 3265 الكلي 13110688
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير