الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المعلم الاول محمود مراد : هيباثيا شهيدة الاسكندرية

بواسطة azzaman

الفلسفة تفتح آفاق الفكر والعقل والدهشة

المعلم الاول محمود مراد : هيباثيا شهيدة الاسكندرية

امال طرزان

 

  حين أعود بذاكرتي إلى البدايات الأولى في رحلتي مع الفلسفة، لا يمكن أن أنسى تلك اللحظة التي سمعت فيها أول محاضرة في الفلسفة اليونانية، حيث انفتحت أمامي آفاق الفكر والعقل والدهشة. كان ذلك الصوت الذي قادني إلى أعماق الحكمة هو صوت أستاذي الجليل، الذي أعدّه مُعلِّمي الأول بحق؛ فقد غرس فيّ حب التساؤل، وأشعل شرارة البحث عن الحقيقة، لا في الكتب وحدها، بل في أعماق الذات والعقل. حواري اليوم ليس مجرد حوار صحفي، بل هو عودة إلى الجذور، إلى من علّمنا أن الفلسفة ليست علمًا جامدًا، بل نبض حياة، وطريق حرية، ومسؤولية فكرية تجاه العالم.

المعلم الاول

      يسعدني أن أستضيف في هذا الحوار قامة فكرية وإنسانية استثنائية، الأستاذ الدكتور محمود مراد – وكيل كلية الآداب بجامعة سوهاج، أستاذ الفلسفة اليونانية وعضو اللجنة الدائمة للترقيات – الذي أصفه دائمًا بأنه «المعلم الأول» في عيني وضميري. نتحاور اليوم معه لنعيد فتح النوافذ على الفكر، ونتأمل معًا قضايا المرأة من منظور فلسفي وإنساني.

كتاب الفيلسوفة الأمريكية ماري إيلين ويث  المعنون « تاريخ النساء الفلاسفة» الذي قمتم بترجمته إلي العربية ونشره يسلط الضوء على فيلسوفات مهمشات. ما الدافع وراء اختياركم لهذا الموضوع؟ وما أكثر ما فاجأكم أثناء البحث؟

الواقع أن لترجمتي لهذا الكتاب واقعة طريفة ترجع لأكثر من ربع قرن، فقد كنت أشترك أثناء جمعي للمادة العلمية لرسالتي الماجستير والدكتوراه بمكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة  التي كانت آنذاك بالمقر القديم للجامعة بالتحرير، وأدفع مقابلا ماليا كبيرا لاستخراج كارنيه هذا الاشتراك. فراعني أثناء تصفح أرفف الكتب بهذه المكتبة الثرية أن وقع بصري على مؤلف بعنوان : History of the Women Philosophers في ثلاثة اجزاء من وضع مجموعة من أساتذة الجامعات الأمريكية بأشراف ماري إيلين ويث  M. A.  Waith  فدهشت من العنوان، وجعلتنى الدهشة اقف امام الكتاب فترة طويلة لا اصدق العنوان. فهذه أول مرة في حياتي أسمع عن نساء فلاسفة. واخذت اسأل نفسي: أحقًا هناك نساء فلاسفة؟ أم هذه تقليعة من تقاليع الغرب؟ و إذا كانت هناك نساء فلاسفة ولهم تاريخ ممتد مثل تاريخ الرجال الفلاسفة فلماذا هذا التجاهل لهن في الكتب العربية؟  ولماذا لا يوجد لهن موضوعات في المناهج التي تدرس بأقسام الفلسفة عندنا ؟! فتركت ما كنت ذاهبا إلى المكتبة من اجله وامسكت بالمجلدات الثلاث بين يدي وجلست على أقرب مقعد وجدته خلفى واخذت في مطالعة الجزء الاول من السلسلة فوجدته يتحدث عن النساء الفلاسفة في العصرين اليوناني والروماني: نساء فلاسفة عظام لا يقللن مكانة عن الفلاسفة الرجال ، نساء فلاسفة يرجعن إلي المدرسة الفيثاغورية، ووجدت أسبازيا زوج بريكليس حاكم اثينا الشهير ومعلمته، وديوتيما معلمة سقراط وغيرهن كثيرات. فاستغرقت في المطالعة ولم اشعر بالوقت ونسيت تماما المهمة التي حضرت من الصعيد من اجلها. كان موضوع الكتاب جديدا ومشوقا ، واسلوبه سلسا جذابا، وحتى محرراته اللائي كتبن مادته العلمية كن غاية في الواقعية والتواضع ، فلا هن بالغن في الثناء والإشادة بالنساء الفلاسفة، ولا هن عرضن أفكار هؤلاء الفلاسفة النساء بشكل يجعلهن أعلى مكانة من الفلاسفة الرجال. بل كن حريصات دوما على ربط الفيلسوفة المرأة بفيلسوف قرين لها من الرجال : فوجدتهن يربطن النساء الفيثاغوريات بشخصية فيثاغورس، وأسبازيا بشخصيتي أنكساجوراس و بريكليس، وديوتيما بسقراط  ... وهكذا. ولم تنته جلستي في هذا اليوم بمكتبة الجامعة الأمريكية الا بقرار اتخذته بيني وبين نفسي : أنني يجب أن أترجم هذا الكتاب إلى العربية ويكون بكورة تعريف أبناء العربية بالفلاسفة النساء.  وقد كان . وقد تم نشر الطبعة الأولى من الترجمة عن دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر بالإسكندرية عام 2000م.

    من هنا كان دافعي الأول لترجمة هذا الكتاب إشباع الفضول الشديد لدي لكي أعرف هذا التاريخ المجهول- أو لنقل المسكوت عنه- من الفكر الفلسفي. في حين كانت الرغبة في تعريف القارئ العربي بهذا التاريخ الدافع الثاني وراء الترجمة. ففد شعرت أن من واجبي المهني والإنساني اطلاع هذا القارئ على اسهام سكتت عنه لدهور طويلة كتب وتورايخ الفلسفة العربية، لأني كنت على ثقة أن توسيع مدارك اوعي القارئي العربي ليعرف هذا الجانب المجهول سوف يسهم اساهما كبيرا في تغيير النظرة الدونية إلي المرأة التي لا زالت تسيطر على الاذهان حتى وقتنا الحالي.      

□  من بين الفيلسوفات اللاتي تناولهن الكتاب، هل أثرت فيك شخصية بعينها؟ ولماذا؟

    هناك فيلسوفة في هذا الكتاب سيطرت على كل تفكيري، وأثرت في تأثيرا شديدا ولا يزال تأثيرها قائما حتى يومنا هذا رغم مرور ربع قرن على ترجمة الكتاب. إنها هيباثيا(370م- 415م)   Hypathia فيلسوفة الإسكندرية، وشهيدة الفلسفة الأولى. عروس العلم وسيدة شهدائه.  كانت هيباثيا فيلسوفة وعالمة رياضيات يونانية شابة عاشت في القرن الرابع الميلادي، ذلك القرن الذي كان مسرحا لأقسى فترات التعصب الديني والصراع المذهبي الدموي في التاريخ ، فقد شهد صراعا طائفيا بين الديانة المسيحية والديانات اليونانية الوثنية، فقد كانت المسيحية تحاول فيه كسب أرض ومؤمنين جدد، وكانت الديانات الوثنية تقاوم هذا التمدد الطائفي للمسيحية بكل ما لديها من قوة ونفوذ، لأنها كانت على يقين أن انتصار المد المسيحي وسيطرته يعني الموت والفناء لهذه الديانات

عاصمة الحضارة

     كانت هيباثيا وريثة لبيت علم وفلسفة، فقد كان والدها ثيون عالما رياضيا ومديرا لمكتبة الإسكندرية القديمة، وهو الذي علمها وجذبها إلى الرياضيات والطبيعيات والفلك والفلسفة، فنشأت وترعرعت بين المكتبة والمتحف في مدينة العلم وعاصمة الحضارة اليونانية آنذاك وهي مدينة الاسكندرية. كانت تتلقى العلم والفلسفة بحب وشغف، وسرعان ما تفوقت على الآخرين فصارت أعلم أهل عصرها بالرياضيات والفلسفة اليونانية، وخاصة فلسفة أفلاطون والأفلاطونة المحدثة. ورغم جمالها الأخّاذ إلا أنها كرست حياتها ووقتها للعلم والفلسفة وقررت أن تترهبن في محراب العلم المقدس فلم تتزوج. وأخذت تلفى المحاضرات في متحف مكتبة الإسكندرية شارحة لنظريات الرياضيات المعقدة، ومبسطة لفلسفات أفلاطون وأرسطو من زاوية الأفلاطونية المحدثة. فكان يحرص على حضور محاضراتها المئات من كل مكان في العالم، يشدهم إليها فكرها الراقي، وقوة إقناعها، عذوبة صوتها وبساطة أسلوبها في العرض والتحليل، وقبل كل ذلك ما كان في فكرها من تسامح وتقبل للمعارضين . وقد حازت شهرة كبيرة بين الناس. وكان حاكم مدينة الإسكندرية الروماني أورستوس من أشد المناصرين لها و الحريصين على حضور محاضراتها. وقد أضحت وهي في الرابعة والعشرين من عمرها عام 404م رئيسا لمدرسة الأفلاطونية المحدثة.

      غير أن هيباثيا الشابة المتنسكة في محراب العلم والفكر دفعت حياتها ثمنا للصراع السياسي والديني الدموي الذي كان مسترعا بين البابا كيرلس وبين الحاكم الروماني للإسكندرية أورستوس. ففي شهر مارس عام 415 ميلادية تربص بها مجموعة من رهبان دير وادي النطرون فهجموا عليها وهي خارجة من منزلها لتذهب إلي المكتبة فأنزلوها عن مركبتها وقاموا بجرِّها لمسافة طويلة على الرمال والأحجار ثم قاموا بتجريدها من ثيابها تماما وقتلها بوحشية شديدة، ولم يكتفوا بذلك ، بل قاموا بعمل يندى لها جبين البشرية ، ويخجل أشد الحيوانات فتكا أن يوقعه بخصمه فقد استعملوا – في مشهد دموي قاسي وصادم - قطع الخزف المدببة في فصل لحم جسمها الميت عن عظامها. وتبلغ المأساة ذروتها عندما قاموا بتجميع أشلاء هيباثيا المتناثرة في حفرة ووضعوا عليها كمية كبيرة من الحطب وقاموا بحرقها تماما !!

     إن ما أثار إعجابي وانبهاري في شخصية الفيلسوفة هيباثيا ليس فقط ثباتها العجيب والفريد على الحق، وشدة تمسكها بالعلم والفلسفة ، ولا كونها فقط أول شهيدة للفلسفة من النساء كما كان سقراط أول شهيد للفلسفة من الرجال، بل أيضا انبهرت بدعوتها إلي التسامح الفكري والديني وتقبل الآخر في ظل هذا المناخ الطائفي المليء بالتعصب والإرهاب الديني والفكري. إنني كلما تذكرت وقفتها الثابتة الشجاعة وسط الحشود تنشر النظريات العلمية والأفكار الفلسفية الرصينة، وتبث فيهم روح التسامح والإخاء رغم علمها التام بما يحيط بها من مؤامرات  وتهديدات، كلما تذكرت هذا المشهد كلما سيطرت على ذهني الأسئلة المحيرة وطاردت نومي وراحتي: كيف يمكن لامرأة في هذا العصر المنفلت طائفيا وسياسيا أن تقف بمفردها في وجه كل هذا التعصب والانغلاق الفكري؟ لماذا لم تفرّ كما فر غيرها من الرجال الفلاسفة وغادروا الاسكندرية ولجئوا إلي مدن بعيدة في سوريا مثل أنطاكيا والرها ونصبين مثلا طلبا للأمن والسلامة وتنجو بحياتها؟؟ لماذا لم تتخفَّ عن الأنظار وتعمل بمبدأ التقيّة والممالأة ؟ لماذا كل هذه الثقة في الذات وهذا الشعور الغريب بالأمان لدرجة أنها لم تتخذ حرّاسًا يحرسونها بل حتى لم تقاوم المعتدين عليها ولو حتى بالصراخ وطلب النجدة ؟ لماذا لم تطلب الحراسة وتوفير الحماية لها من الحاكم الروماني للإسكندرية وقد كان من أشياعها وطلاب العلم على يدها ؟!! لماذا وقد تيقنت بالموت على أيديهم حتى لم تعلن أمام المهاجمين تخليها عن فكرها وديانتها ولو من باب التحايل من أجل النجاة؟      كم كانت هيباثيا عظيمة إذن، وكم كانت شجاعة، وكم كانت مثالا للحكمة اليونانية  الراقية والثبات على المبدأ. لقد كانت امرأة استطاعت أن تفعل ما يعجز عنه معظم الرجال .  .      

غالبًا ما ارتبطت حكمة المرأة في العصور الوسطى بالمتصوفات والقديسات أكثر من الفيلسوفات العقلانيات. لماذا برأيكم؟

     غالبًا ما يكون المفكر ابنا للبيئة التي يظهر فيها، وصنيعًا للعصر الذي يعيش فيه، والعلاقة بين الفيلسوف والبيئة التي يظهر فيها علاقة حوار – إن جاز لنا هذا التعبير. حيث يدخل المفكر في حوار مفتوح مع عصره، والنصر بينهما سجال، فتارة ما ينتصر العصر فيترك بصمته على الفيلسوف، فنقول عن فلسفة هذا الفيلسوف إنها فلسفة محافظة، كما هو الحال مثلًا مع أرسطو، وتارة أخرى الفيلسوف هو الذي ينتصر بفكره على عصره، فيصطبغ هذا العصر بفكر الفيلسوف فنقول على فلسفته إنها فلسفة تنويرية ثورية .كما حدث مثلًا مع سقراط وأفلاطون وفلاسفة عصر التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر. وتصدق نفس القاعدة على فلاسفة العصر الوسيط سواء كانوا رجالا أو نساءً. فقد كانوا فلاسفة محافظين. كان العصر الوسيط في أوربا عصر هيمنة الدين والكنيسة على كل مظاهر الحياة آنذاك، كان التعليم يتم داخل الاديرة والمدارس الملحقة بالأديرة. وحتى عندما نشأت جامعة باريس- منتصف القرن الثاني عشر الميلادي -  ظلت طيلة العصر الوسيط تحت الوصاية العلمية والسيطرة الدينية للكنيسة.  فكان من الطبيعي والحال هكذا أن يكون النساء الفلاسفة في العصر الوسيط من اصحاب نزعات التصوف والزهد. كن راهبات انقطعن للعلم والدين يقمن داخل الاديرة ويعكفن على العبادة والدراسة والعمل التطوعي والخدمي وقد هجرن كل مظاهر وأنشطة الحياة الدنيوية خارج الأديرة

    من ابرز الفلاسفة النساء في العصر الوسيط  كانت جوليانا النرويجية، وهيلفارد دبنجن ، ومارجرى كامبا والقديسة كاترين السينيةCatherine of Sinnea  (1348-1380م)  وغيرهن. وقد كانت الأخيرة هذه فيلسوفة صوفية تهتم بالباطن اكثر من الاهتمام بالظاهر. التحقت بدير الإخوة الدومنيكان ووضعت العديد من المؤلفات وكانت حياتها مقسمة بين العبادة والدعوة الروحية إلي معرفة الله من خلال التجربة الصوفية الباطنية. لم تكن تدعو إلي معرفة الله بالنظر إلى الاشياء الخارجية كما فعل القديس أوغسطين مثلا، بل اتخذت من المنهج السقراطي « اعرف نفسك» منهجا لها في الحياة.

     تمتعت الفيلسوفة كاترين السينية بموهبة فريدة، إذ كانت ذات قدرة كبيرة على التعبير الباطني القائم على الخبرة الروحية. وعاشت في حياتها تجربة صوفية روحانية حاولت نقلها الآخرين من خلال كتاباتها المتنوعة. كانت تجربتها الصوفية تقوم على مبدأ أن معرفتنا بالله وبالحقائق المختلفة تعتمد في المقام الأول على استبطان النفس والغوص في بواطنها. حيث قالت إنها لا تحصل الحكمة من الأشياء المكتسبة عن الله، وإنما من خلال الحياة الروحية. ونادت بأن اكتساب الحكمة لا يكون إلا من خلال معرفتنا الباطنية بالله. فالله هو المعلم الحقيقي لنا . ومن اقوالها المأثورة « لا ينبغي أن يكون التكفير عن الذنوب هو اعتمادنا الأساسي، بل يجب أن يكون هدفنا اكتساب الفضيلة، وكيفية بنائها في داخلنا لاستقبال الحياة «  التوبة والتكفير عن الذنوب ى تكون بصكوك الغفران، ولا بالاعتراف أمام الكاهن، بل يكون بتنمية الروح، وتغيتها بالفضائل. كما نادت بأن تسود بين البشر قيم التواضع والحب والسلام بين جميع البشر فهذه هي طرق اكتساب الفضيلة الروحية.

س-ما مدى تأثير التصورات الخاطئة عن المرأة في التراث الفكري والديني على وضعها الاجتماعي والثقافي اليوم، وفقًا لوجهة نظركم؟ وكيف يمكن مواجهة هذه التصورات؟

     لا يعرف التاريخ الحضاري للبشر ما يسمى بالقطيعة المعرفية. فلم توجد حضارة من الحضارات قديما أو حديثا وجدت من لا شيء، او جاءت من الفراغ، بل لا توجد حضارة إلا وأخذت من الحضارة التي سبقتها، وورثت بعض أفكارها للحضارة التي تليها. هكذا كانت حركة تاريخ الحضارات حركة تأثير وتأثر. مثلا الحضارة اليونانية أخذت الكثير من حضارات الشرق القديم، والحضارة الاسلامية أخذت الكثير من الحضارة اليونانية وغيرها. وبناءً على ذلك جاءت نظرتنا المعاصرة إلي المرأة مبنية على موروث ثقافي وديني طويل المدى عبر التاريخ . فنحن ورثنا من آباءنا وأجدانا تراثًا وقيمًا وعادات اجتماعية دونيّة النظرة إلي المرأة ممتدة عبر مئات السنين ومن الصعب تغييرها بين يوم وليلة. أضف إلي هذا ما يعترف به علماء الاجتماع بأن التغير الاجتماعي عكس التغير الكيميائي يحتاج إلي عقود وعقود لكي يتحقق. لكل ذلك من المنطقي أن تكون للتصورات الدونية للمرأة والمتوارثة من تراثنا الفكري والديني بصمتها القوية على وضع المرأة الاجتماعي والثقافي اليوم.

     لنضرب بعض الأمثلة على ذلك: ما نراه اليوم من هضم وظلم للمرأة فيما يتعلق بحقها الشرعي في الميراث خاصة في المجتمعات الريفية والصعيدية، فهناك عائلات لا تورث البنات تماما، والبعض الآخر يكتفى بمنحهم مبلغا زهيدا من المال (ترضية) مقابل التنازل عن حقهم في الميراث، فهذا موروث اجتماعي ورثناه من أسلافنا الذين كانوا يعتبرون ممتلكات الأسر من أراضي زراعية وعقارات هي عرض وشرف لهذه الأسر، وبالتالي لا يجوز للغرباء ( أزواج البنات ) امتلاكه والسيطرة عليه باي حال من الأحوال. مثال ثاني : انتشار ظاهرة الزواج المبكر وما فيه من قتل لطفولة الفتاة وحرمان لها من الاستمتاع بطفولتها مثل الذكور وتحميلها مسؤولية رعاية زوج وأسرة وأبناء، رغم أنها هي نفسها تحتاج إلي من يرعاها في هذه السن المبكرة، هذا الصنيع وليد لموروث اجتماعي وثقافي قديم متنقل عبر الأجيال كان ينظر إلي إنجاب البنات على أنه عار يلحق بالأسرة، أو لنقل نقيصة وموضع تأسف،( لا يزال يُقال لأبي البنات حتى اليوم الحاضر: ربنا يعوض عليك!! وكأنه لم ينجب مع أنه قد يكون معه ستة أو سبعة من البنات. ولا يزال أيضًا يجد الناس عيبًا وحرجا في كنية الرجل باسم ابنته الكبرى عند النداء عليه إذا لم يكن لديه ذكور يُكنّى بهم فيقال له : يا أبا فلان باسم أبيه هو عوضًا عن كنيته باسم ابنته)  وبالتالي فمن الافضل للأسر التي رُزقت بالبنات أن تتخلص سريعا  من هذا العار أو عقدة النقص التي لديها. هذا الموروث المتخلف بدأ بعادة وأد البنات في الجاهلية مرورًا بحبس الفتاة في البيت أيًّا كان سواء بيت أبيها أو زوجها ومنعها من الخروج إلا مرتين الخروج لبيت الزوج وقت الزواج، والخروج إلي المقبرة وقت الموت. ومرورًا كذلك بالعادات والتقاليد التي كانت تفرض نوعًا معينًا من الثياب على المرأة تحجبها تمامًا عن الأنظار باعتبارها عارًا ونقصًا يجب على الأسرة أن تُخفيه عن العيون خجلًا وخوفًا من الفضيحة، وانتهاءً بصور الحبس المنزلي والمنع والقيود الصارمة على المرأة مثل منعها من الخروج للدراسة أو للعمل أو حتى لأداء الفريضة المقدسة بدون محرم من الرجال. مثالٌ آخر على ذلك التأثير القوي للعادات والتقاليد الموروثة في نظرتنا الدونية للمرأة : انتشار عادة ختان الإناث في مجتمعنا خاصةً في محافظات الصعيد اعتقادًا خطئًا من الأهالي أن في ذلك عصمةً للمرأة وحمايتها من الانحراف، هذه العادة السيئة نتاج موروث حضاري يرجع إلي الفراعنة في أساسه، وكذلك إلي نظرتنا الدونية المتوارثة التي تعتبر المرأة ناقصة من الناحية العقلية والدينية وبالتالي يجب فرض الحماية عليها فرضًا خارجيًا؛ لأنها بحكم طبيعتها الناقصة هذه من السهل لها أن تنحرف لو تُرك أمرها لنفسها. إلي آخر هذه الممارسات والتجاوزات في حق المرأة، والتي تتم تحت تأثير العادات والتقاليد المتوارثة  سواء أكان هذا بشكل مباشر أو غير مباشر.

     وفي اعتقادي أن عبء ومسؤولية مواجهة هذه التصورات الظالمة للمرأة، ومعالجة هذه الممارسات الاجتماعية الخاطئة في حق المرأة، لا يقعان على جهة محددة بعينها في الدولة، مثل الأسرة مثلا أو المؤسسة التعليمية ، بل لابد من تكاتف كل الجهات والمؤسسات المسؤولة سواء كانت رسمية أو شعبية في مجابهة هذه التصورات والعادات. حيث تتكاتف الاسرة و المدرسة و المؤسسات الدينية والعلمية والتعليمية ووسائل الإعلام التقليدية والرقمية والمركز القومي للمرأة والمركز القومي للطفولة والأمومة ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها مع مجلس الوزراء المصري بكل الوزارات الممثلة فيه لوضع خطة طويلة المدى لأحداث هذا التغيير الاجتماعي في النظرة المجتمعية للمرأة، ومعالجة التجاوزات الظالمة لحقوقها. ويكون هناك دور محدد ومرسوم لكل مؤسسة من هذه المؤسسات يتم تقييمه رقميا كل فترة من فترات الخطة. فالمسؤولية مشتركة بين الجميع.         

س- كيف يمكن فهم مفهوم القوامة في الإسلام فهمًا متوازنًا يحفظ حقوق المرأة والرجل معًا؟

يؤسفني أشدَّ الأسف ما ينتشر بيننا اليوم من فهم معوّج للآية الكريمة التي نصّت على القوامة؛ للأسف هناك كثير من الرجال يفهمون القوامة بمنطق من يقرأ الآية الكريمة :» يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة..» ويسكت ولا يُكمل الآية. يا سادة القوامة التي أوصى بها الإسلام قوامة مشروطة ونسبية، وليست قوامة مطلقة ولا كاملة تصدق في كل زمان ومكان . هناك فرق كبير بين ما دعت إليه الآية، وبين الحجر على عقل وشخص المرأة ، وجعلها تحت الوصاية الكاملة للرجل، وتجريدها من كل حقوقها الطبيعية.  هناك فرق كبير بين القِوامة والتسلّط. تقول الآية الكريمة  ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ...﴾  [النساء: 34]. الآية اشترطت شروطًا للقِوامة، إذا سقط منها شرط سقط معه المشروط، ومن ثم فهي ليست مطلقة ولا دائمة، فضلًا عن أن الآية الكريمة، إلي جانب جعلها القوامة مشروطة بشروط، جعلتها نسبية كذلك؛ فقالت: « بعضهم على بعض» ولم تقل بتفضيل كامل وقطعي لجنس الرجال على جنس النساء. فقالت كلهم على كل.  وعلى ذلك إذا تخلى الرجل عن ميزته التي ميزه الله تعالى بها فلم ينفق على امرأته وبيته وأولاده، ولم يكسهم، ولم يوفر الأمن والامان والاستقرار لهم فإن ذلك يسلبه حق القوامة علي المرأة، ويعطيها هي الحق في القيام بفسخ النكاح بالوسائل المشروعة، هذا هو ما يقتضيه تعليل القوامة في الآية الكريمة بالإنفاق، وهو ما فهمه منها المالكية والشافعية.

أقول: القِوامة في الإسلام مشروطة ونسبية، وهذا ما أُشدِّد على التأكيد عليه. إن تفضيل الرجال على النساء المذكور في الآية الكريمة المراد منه تفضيل جنس الرجال على جنس النساء، وليس المراد منه تفضيل جميع أفراد الرجال على جميع أفراد النساء؛ وإلا فكم من امرأة تَفْضُل زوجها في العلم والدين والعمل والرأي وغير ذلك. ولا تعني القِوامة السيطرة أو التسلّط أو الإلغاء، فهذا ليس من الشرع في شيء، بل هو تحميلٌ للآية ما لا تحتمل. القوامة في اللغة: القيام على الشيء بما يصلحه؛ أي: رعاية، مسؤولية، إصلاح، وإنفاق. القِوامة تكليف للرجل بالمسؤولية، لا تشريف للسلطة، وهي مبنية على النفقة وتحمُّل أعباء الأسرة، لا على الأفضلية المطلقة. فالرجل مكلّف بأن يكون قائمًا على شؤون المرأة بالعدل، وليس متسلطًا عليها بالهوى. والمرأة مكرّمة، شريكة، لها رأيها ومكانتها، لا تابعة لا تُرى. ليس في الإسلام تهميش للمرأة، بل فيه توازنٌ دقيق بين الحقوق والواجبات، قائم على العدل، لا الجَوْر. نعم، على المرأة أن تطيع زوجها بالمعروف، لكن حين يكون الرجل ضعيفًا، فإن المرأة ليست في حاجة إلى نصيحة حتى تقود هي الأسرة ، فهي تقوم بذلك تلقائيًا. وكم يوجد في عصرنا من أُسَر تقوم عليها النساء فيما يُعرف باسم «المرأة المعيلة».

س- ما رأيك في اقتراح قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي يمنح المرأة حق الاعتراض على تعدد الزوجات؟

      عندما أباح الإسلام تعدد الزوجات جعله تعددًا مشروطًا بشروط كثيرة، أبرزها: تحقيق العدل وتوفر الاستطاعة المادية والجسمية وإعلام الزوجة به، وليس مطلقًا أو متروكًا لمزاج الرجل ونزواته. فالأصل في الإسلام الزوجة الواحدة، أما التعدد فهو الاستثناء وليس القاعدة. فإذا غاب شرط العدل، أو ضعفت القدرة والاستطاعة لدى الرجل، بطل الاستثناء وسادت القاعدة. وهناك آيات كثيرة تُوصي الرجال بالرفق واللين بالمرأة ومراعاة حقوقها ومشاعرها. فإنه في ضوء ذلك كله لو منح قانون الأحوال الشخصية الجديد المرأة حق الاعتراض على تعدد الزوجات، فإنني لا أراه متجنيًا على الرجل، ولا سالبًا لحقه في التعدد.

   أنا أؤمن بأنه إذا كان العدل يقول بأن من حق الرجل أن تكون زوجته مخلصة له هو وحده ولا ترى في هذه الحياة رجلا سواه، وأنه هو الرجل الوحيد في حياتها، إنه من العدل بالمثل أن يكون من حق المرأة كذلك أن يكون زوجها مخلصا اخلاصا كاملا لها، ولا يرى في هذه الحياة امرأة سواها، وأنها المرأة الوحيدة في حياته. هذا هو العدل الذي أعرفه. عهد وثقة متبادلة بين الطرفين في أن كل واحد منهما لا يرى في هذه الحياة إلا الآخر.

وقد وصف القرآن الكريم هذا العهد بأنه ميثاق غليظ، فقال تعالى: « وأخذنا منكم ميثاقا غليظا» (النساء: اية21) . فإذا أخلّ أحد الطرفين بهذا العهد ( الميثاق الغليظ)، جاز للطرف الآخر أن يعترض ويرفض هذا العمل. وإلا فلماذا لا يرضى الرجل من زوجته أن ينشغل قلبها برجل غيره أو ترى عينها رجلًا غيره، ولا يُعطى زوجته هذا الحق أيضًا في الاعتراض عليه إذا انشغل قلبه بامرأة أو رأت عينيه امرأةً غيرها؟

   نقطة أخرى هامة وفاصلة في الأمر: لقد تعلمنا من فقهاء الإسلام قاعدة أن الضرورة تُقدَّر بقدرها، وأن تطبيق القاعدة الفقهية لابد أن يُراعي ظروف الزمان والمكان للمجتمع، ونحن جميعا نتذكر كيف اجتهد الخليفة العادل عمر بن الخطاب في عام الرمادة، فأوقف تطبيق حد ( تخيلي حدّ من حدود الله) السرقة في هذا الوقت. فإذا كان هذا حال الخليفة العادل ثاني الخلفاء الراشدين، يقدر الضرورة بقدرها في ظل ظروف الزمان والمكان، فالأدعي علينا نحن في هذا العصر الذي نمر به من ظروف اقتصادية قاسية، وارتفاع معدلات الفقر، وزيادة نسب البطالة تلك الظروف أدَّت إلى حدوث أزمات اجتماعية طاحنة تعصف باستقرار واركان المجتمع المصري، أقول أليس الأدعى بنا نحن الآن أن نعيد النظر في تطبيق، لا أقول حدًّا من الحدود كما فعل سيدنا عمر، بل استثناء لقاعدة عامة تقول بوحدانية الزوجة . فدرء المفاسد مقدم بلا شك على جلب المنافع .   

    لكل ما سبق فانا أؤيد وبشدة صدور مثل هذا القانون الذي يحافظ على قيمة العدل بين الزوجين، ولا أرى فيه تجاوزًا أو انقاصًا من حق الرجل في التعدد؛ لأنه -كما قلت- استثناءً وليس قاعدة .

س- هل تستطيع القوانين والتشريعات وحدها أن تغيّر واقع المرأة للأفضل؟

أجيبك على هذا السؤال بالابتسام. حقا أنا لا أنكر ما للقوانين من قوةٍ على الردع، ولا أنكر صرامة تنفيذها في مصرنا الحبيبة، ولكنَّ الأمر له زاويةٌ أُخرى، هي طبيعة وأفعال الإنسان. فكلّنا يعلم أن الإنسان بوجهٍ عام -وليس الإنسان المصري وحده-  له ظاهرٌ وله باطن. هناك أفعال يفعلها هذا الإنسان في العلن من الممكن أن تحكمها القوانين وتضبطها، لكن كيف يمكن للقوانين أن تضبط الأفعال التي يفعلها الإنسان في السر؟

     إنَّ من المقولات القديمة التي تعلمناها: أنه كلما زاد عدد القوانين كلما ازداد عدد اللصوص والمجرمين! والأمر ببساطة شديدة أنَّ معظم القوانين التي تصدر تأتي لكي تعالج نتائج فقط، ولا تعالج الأسباب والجذور التي أدَّت إلي خروج هذا المرض. كالدواء الذي أُعِدَّ لعلاج المرض، ولكنه لم يُعَدّ للقضاء على أسبابه اجتذاذ جذوره. وبالتالي سوف يظهر المرض نفسه مرات ومرات رغم وجود الدواء. فوجود الدواء لا يعني بالضرورة اختفاء المرض.

    لنضرب أمثلة على ذلك: كم يوجد من القوانين في مصر تُجرِّم زواج القاصرات؟ لا شك يوجد الكثير، وهناك هيئات ومنظمات تسهر على محاربة هذه الظاهرة، ولكن هل اختفت هذه الظاهرة تمامًا من بيننا ؟! اختفت في العلن، ولكن تُمارَس في السر بطرق غير قانونية. أيضًا كم من القوانين لدنيا تُجرِّم ممارسات العنف ضد المرأة؟! فهل منعت هذه القوانين ارتكاب هذه الجرائم في السر وخلف الأبواب المغلقة؟ كم من القوانين لدنيا تُجرِّم الاتجار بالبشر،  خاصة الأطفال والفتيات الصغيرات؟ فهل أدَّت هذه القوانين والتشريعات إلي اختفاء هذه الجرائم من بيننا؟!

    ما نحتاجه لتغيير واقع المرأة المصرية للأفضل في رأيي ليس فقط قوانين تصدر بين الحين والآخر تجرم الإساءة للمرأة والتقليل من كفاءتها والمعاقبة على الممارسات التي تهضمها حقوقها الطبيعية والمكتسبة، ولا فقط إلي وجود منظمات وهيئات حكومية ومدنية وأهلية قوية تدافع عن حقوق المرأة في كافة المحافل. نحتاج إلي جانب كل هذا إلي الأهم: وهو رفع نسبة الوعي في المجتمع عند الطرفين بحقوق المرأة: رفع نسبة الوعي لدى الرجل والمرأة. المرأة لكي تعي وتفهم ما لها من حقوق فتطالب بها، والرجل لكي يتخلى نهائيا عن أنانيته ونرجسيته وعن تلك الأفكار الرجعية المتوارثة من أسلافنا التي تهين المرأة وتقلل من كفاءتها وقدراتها. نحتاج إلي ثورة تصحيح حقيقية للمفاهيم والأفكار المعششة في عقول الرجال من مئات السنين، ثورة تجعل الرجل يدرك ويقتنع باطنيًا أن معطيات العصر قد اختلفت وبالتالي ينبغي أن تختلف معها القناعات والأفكار والممارسات.

     القوانين - وهي الوازع الخارجي-  لها دور ولا شك في التصحيح، لكنه ليس الدور الاهم. إنما الدور الأكبر على الوازع الباطني. لكي نقضي على التجاوزات المعلنة والمستترة لحقوق المرأة. فيكون المنع الخارجي مقومًا للممارسات الخارجية الظالمة للمرأة، ويتكفل الوازع الباطني بالقضاء على الممارسات  المستترة

س- كيف يمكن تحليل الطلاق كظاهرة أخلاقية تتعلق بالحرية والمسؤولية؟ و كيف يمكن تغيير النظرة السلبية نحو المطلقات؟

     عندما أباح الدين الطلاق وجعله بيد الرجل قيده بقيود صارمة حتى لا يكون عرضة للهوى والمزاج. فلم يُعطِ الرجل الحق المطلق في التطليق بسبب ومن غير سبب، بل جعله مقيَّدًا بشروط وفرض حقوقا للمرأة المطلقة على الزوج أن يفي بها حتى لا يكون آثما. فضلا عن أن الدين الحنيف أعطي المرأة الحق في طلب الطلاق للضرر واستحالة العشرة، بل وأعطاها الحق في الخلع بالتنازل عن صداقها. ومن ثمَّ فلم يترك أمر الطلاق للهوي ولا للمزاج المتقلب واسماه أبغض الحلال عند الله سبحانه وتعالي. لقد جعل الدين الطلاق أخفَّ الضررين، جعله بديلًا للوقوع في جريمة أشنع وأقسي وطأة.

     ففي الحالات التي تصبح العشرة بالمعروف فيها مستحيلة بين الزوجين، وأنه لو استمرت العلاقة الزوجية فيها لترتب على ذلك جريمة منكرة، هنا أباح الشرع الشريف الطلاق رحمة للطرفين، وحفظًا للأمن والسلام الاجتماعي. لكن للأسف ما نراه اليوم صادمًا؛ أصبح الطلاق عبثًا في عبث واستهتارًا عجيبًا بآيات الله وأحكامه. أصبحنا نرى الطلاق يقع لأتفه الأسباب وأهونها. دون أي تفكير في العواقب والنتائج المترتبة عليه. لو أدرك الرجل الإدراك الصحيح لأمور الحياة، وأعمل عقله ووعيه، لما وقعت 90% من حالات الطلاق التي نشاهدها حولنا.  لو أدرك الرجل أن كل ابن آدم خطَّاء ، لو أدرك أنه لا يوجد بيننا الإنسان الكامل المبرَّأ من العيوب، وأننا كل واحد فينا عنده ما ينقصه. لو وعي إلى ما فيه هو نفسه من عيوبٍ ومثالب، لو أدرك أن حالة التأزُّم بينه وبين شريكة حياته قد تكون لأسباب أخرى خارجية لا دخل للمرأة بها مثل الحالة الاقتصادية وضغوط العمل وغير ذلك، أقول لو أدرك الرجل كل هذا لما تسرع في التطليق، ولتردَّد ألف مرة قبل أخذ هذه الخطوة.

  إذن تزايد حالات الطلاق بصورةٍ مفزعة يرجع في المقام الأول إلي قلة الوعي لدى الطرفين، وخاصة لدى الرجل. وقلة الوعي هذه أيضًا، وإلي جانبها ذلك الموروث الثقافي والاجتماعي الرجعي والمتخلف هما السبب في النظرة السلبية للمرأة المطلقة. تناقضٌ عجيب في التفكير يعاني منه كل من ينظر إلي المطلقة هذه النظرة السلبية. كيف يكون الطلاق مسؤولية الرجل وهو صاحب القرار الأوحد فيه، ومع ذلك يتم إلقاء اللوم فيه على المرأة المطلقة، رغم أنها لا ذنب لها في ذلك؟! المرأة المطلقة لا هي ناقصة، ولا هي مجرمة ارتكبت جريمة حتى يتم عقابها بالحبس الجسدي داخل الجدران، وتقييد حريتها، ولا بالاغتيال المعنوي من خلال نظرات الشماتة والريبة أو الطعن فيها من المحيطين بها . منطقٌ معوج يبرِّئ ساحة الرجل المطلق رغم أنه صاحب القرار، ويحمِّل المسؤولية كاملة عن الطلاق وما يترتب عليه من كوارث خاصة  بالأطفال الصغار للمرأة المطلقة !!   

     تغيير النظرة السلبية للمرأة المطلقة المنتشرة بيننا اليوم يكون برفع درجة الوعي لدى الجميع، مع تصحيح المفاهيم والتصورات الخاطئة المُعَشِّشة في العقول . فالمرأة المطلقة ليست مجرمة فنحبسها ونحجر على حريتها، وليست خطرًا أو مرضًا معديًا لنا فنبتعد عنها ونتحاشى التعامل معها، وليست فريسة سهلة لمنحرفي المزاج وقللي الشرف من الرجال.

س- مع تزايد نسب الطلاق في مجتمعاتنا، ما الدور الذي يمكن أن تؤدِّيه الجامعات في الحد من هذه الظاهرة؟

    الواقع أليم وصادم  فالأرقام والإحصائيات في السنوات الأخيرة كانت صادمة فعلًا في مصر. يكفي أن نعلم أنه وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء: إنه في عام 2024 وقعت في مصر 273.8ألف حالة طلاق، بمعدل 739 حالة طلاق في اليوم الواحد، وبمعدل 32 حالة طلاق كل ساعة، وحالة طلاق واحدة كل 117 ثانية، اي في أقل من دقيقتين. وكانت نسب توزيع حالات الطلاق 58% في الحضر و 42% للريف. الأمر الذي أثار قلق القيادة السياسية والأجهزة المختلفة في مصر، فتم إطلاق البرنامج القومي للحفاظ على كيان الأسرة المصرية والذي انبثقت منه مبادرة «مودة»، وهي مبادرة تسعى إلى وحدة الأسرة المصرية، والحد من نسب الطلاق التي ارتفعت بهذا الشكل الملحوظ خلال السنوات الأخيرة. تهدف المبادرة إلى تزويد المقبلين على الزواج، بالتأهيل النفسي والاجتماعي الكافي لتشكيل الأسرة الناجحة والسعيدة، مع تسليحهم بالأدوات والآليات الكفيلة بحل أي خلافات محتملة قد تعترض حياتهم الأسرية في المستقبل. وقد شاركت الجامعة مشاركة فعالة في هذه المبادرة الطموحة باعتبارها واجبًا وطنيًا . فقامت الجامعة على مدى العامين الماضيين بتنظيم العديد من الدورات وورش العمل لتأهيل طلاب وطالبات الجامعة المُقبِلين على الزواج، و قد التحق بهذه الدورات مئات الطلاب والطالبات، فضلًا عن حملات التوعية والقوافل الثقافية والندوات التي نظمتها الجامعة في هذا الصدد.

    لكنني أرى أن كل هذه الجهود غير كافية؛ لأنها تعالج العَرَض لكنها لا تُجفِّف منابعه، ولا تقتلع جذوره. يجب أن يتواكب مع هذه الحملات التوعوية والمبادرات إصلاحات اقتصادية واجتماعية تقضي على الجهل والتخلف والبطالة، وتُخفِّض معدلات الفقر في المجتمع المصري؛ لأن هذه هي الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع معدلات الطلاق في السنوات الأخيرة في مصر. الطلاق مجرد عَرَض لأمراض خطيرة تنخر في جسد المجتمع المصري، وتُزلزل كيانه واستقراره. وهذه الأمراض هي: الفقر والبطالة والجهل والتخلف، وانعدام التربية .

س- إلى أي مدى تؤثِّر العادات والتقاليد على مكانة المرأة في المجتمع الصعيدي؟ وما أبرز المشكلات التي تواجهها هناك؟

 لا أحد يستطيع أن يُنكر ما حدث في الصعيد من تغييرات اجتماعية وحضارية وثقافية طيبة ومبشرة في الآونة الأخيرة بفضل هذ الانتشار الكبير للتعليم بالصعيد وما تم استحداثه من جامعات حكومية وأهلية وخاصة بكل محافظة من محافظات الصعيد، فضلا عن ثورة الاتصالات والمعلومات والتكنولوجيا الرقمية التي غزت الوجه القبلي بنفس درجة انتشارها في الوجه البحري. فلم يعد الصعيد مهمشًا كما كان في الحقب الماضية. وقد انعكس كل هذا على مكانة المرأة في المجتمع الصعيدي فأصبحت تحتل مكانة أفضل وتلقى معاملة أحسن عن ذي قبل. فأصبحنا نرى في الصعيد حاليًا وزيرات ونواب في المجالس النيابية من نساء الصعيد وعُمدة امرأة ورؤساء جامعات نساء وعميدات للكليات وعضوات هيئات تدريس في الجامعات ورؤساء مدن ورؤساء أحياء من النساء.

     لكن رغم ذلك تظل هناك مشكلات اجتماعية واقتصادية وثقافية تُكبِّل المرأة المصرية بوجه عام، والمرأة في الصعيد بشكل خاص. لا تزال توجد هناك قيود من التعصب للعادات والتقاليد والأعراف التي تظلم المرأة الصعيدية، وتصادر حقوقها الطبيعية التي كفلها لها القانون، خاصة في الصعيد الجواني. تأتي على رأس هذه المشكلات: مشكلة الثأر ومشكلة الزواج المبكر، ارتفاع نسبة الأمية بين الإناث، الحرمان من استكمال التعليم خاصة التعليم العالي، التعصب القبلي الشديد الذي يمنع الفتاة من الزواج إلا من رجل من نفس العائلة أو القبيلة وغير ذلك من مشكلات . وهي مشكلات لا يزال هناك وقت طويل حتى تستطيع المرأة في الصعيد أن تنتصر عليها وتتغلب على ظروفها. والأمر مرهون، كما قلتُ، بزيادة معدل الوعي والفكر المستنير عند أولياء الأمور.

س- هل الطبيعة البيولوجية للمرأة مبرر لتقييد أدوارها في المجتمع؟

    بدايةً أود التأكيد على حقيقة لا يمكن إنكارها، ألا وهي أن الاختلاف هو أساس الوجود، فالله سبحانه وتعالى عندما خلق البشر خلقهم مختلفين في التكوين والسمات والصفات الجسدية والنفسية ، وهذا من عظمة الإبداع الإلهي. الإعجاز يكون في إبداع مليارات البشر، وكل واحدٍ فيهم له سمات تميزه عن الآخر. ولو كان الله قد خلق البشر جميعًا نُسخًا متشابهة في كل شيء لتحولت عملية الخلق إلي فعلٍ آلي كجهاز تصنيع آلي يخرج مليارات من سلعة واحدة. قال تعالى :»وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ.» (هود: اية ١١٨) ويقول سبحانه في سورة فاطر آية 28(وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذلِكَ ۗ ).

    بناءً على هذه الحقيقة الكونية جاء تكوين المرأة مختلفًا بيولوجيًا ونفسيًا عن تكوين الرجل، لكن هذا الاختلاف التكويني لا يعني دونية المرأة وتميُّز الرجل، بل يعني أن كل جنس خُلق متميزًا عن الآخر ليناسب هذا التكوين وظيفته المرسومة له في المخطط الكوني، ليؤدي دوره


مشاهدات 33
الكاتب امال طرزان
أضيف 2026/01/03 - 1:40 AM
آخر تحديث 2026/01/03 - 5:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 166 الشهر 1372 الكلي 13108795
الوقت الآن
السبت 2026/1/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير