الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كردستان من الأنفال إلى حرب الرواتب والطاقة

بواسطة azzaman

كردستان من الأنفال إلى حرب الرواتب والطاقة

كفاح محمود

 

لم تكن حملات الأنفال (التي بدأت من نهاية شباط 1988 الى أوائل أيلول 1988 والتي ذهب ضحيتها 182 الف مواطن غالبيتهم من الكورد بعد تدمير قراهم التي تجاوزت 5000 الاف قرية) مجرد فصل دموي عابر في تاريخ العراق الحديث، بل كانت مشروع إبادة شاملة استُخدمت فيه كل أدوات الموت المتاحة آنذاك: السلاح الكيمياوي، التهجير القسري، القصف العشوائي، والمقابر الجماعية، كان الهدف واضحًا؛ كسر إرادة شعبٍ قرّر أن يعيش حرًّا على أرضه، واقتلاع حلم الكورد بالحرية والكرامة من جذوره، ومع ذلك، سقطت أعتى دكتاتورية في الشرق الأوسط، وبقي الكورد، وبزغت شمس كوردستان من تحت ركام الأنفال وحلبجة.

  اليوم، يتكرّر المشهد بعقلية قديمة وأدوات جديدة، فالعقوبة الجماعية لم تعد بالضرورة على شكل حملة عسكرية؛ يمكن أن تكون على هيئة قرار مالي، أو حصار إداري، أو استهداف ممنهج لمصادر الطاقة والرزق، وهذا ما يعيشه إقليم كوردستان منذ سنوات: حرب رواتب، وحصار اقتصادي، ومحاولات لخنق التجربة الكوردستانية عبر تجويع الموظفين، وإرباك السوق، وخلق حالة دائمة من القلق وانعدام اليقين.

 وحين فشل سلاح قطع الرواتب في إخضاع الإقليم أو دفعه للتنازل عن حقوقه الدستورية، انتقل خصوم كوردستان إلى سلاح أشد خطورة: المسيّرات والصواريخ والقصف المتكرر لحقول الغاز والطاقة، في محاولة لإغراق مدن الإقليم في الظلام، وشلّ شرايين الحياة فيه، وعرقلة مشاريعه في التنمية والبناء، والمفارقة أن هذه الحقول لا تخدم كوردستان وحدها، بل تغذّي منظومة الكهرباء في العراق كله، ما يعني أن استهدافها عقاب للشعبين معًا، الكوردي والعربي، وليس للإقليم وحده.

  هنا تبرز المقارنة المؤلمة: بين الأنفال التي استهدفت الجسد مباشرة، وبين حرب الرواتب والطاقة التي تستهدف لقمة العيش والأمن اليومي والبيئة الاقتصادية، وفي الحالتين، الفلسفة واحدة: معاقبة شعبٍ كامل لأنه يطالب بحقوقه، وإرسال رسالة مفادها أن أي نموذج ناجح أو شبه مستقر في العراق يجب أن يُحاصر ويُشوَّه ويُكسَر، حتى تبقى سلطة الفشل والفساد هي السائدة.

  الأخطر أن كل ذلك يجري تحت عناوين وطنية برّاقة: حماية السيادة، الدفاع عن وحدة العراق، الحفاظ على الثروات الوطنية، بينما الواقع يقول إن الحدود تُفتح على مصاريعها أمام الميليشيات العابرة للولاءات، وأمام أذرع تجارة المخدّرات وصناعة الموت والفتن، في حين تُوجَّه نيران المسيّرات والصواريخ إلى الإقليم الذي أثبت - رغم كل التحديات - أنه واحة نسبية للاستقرار، ومتنفّس اقتصادي للعراق، ومساحة تعايش معقولة بين مكوناته.

  شعبٌ صمد في وجه الكيمياوي والأنفال لن تهزمه حرب الرواتب ولا طائرات المسيّرات.، فالتجربة الكوردستانية، بكل ما فيها من هفوات، أثبتت أن الاستثمار في الحياة أجدى من الاستثمار في الخراب، وأن بناء الطرق والسدود والجامعات والمستشفيات أكثر بقاءً من بناء الميليشيات والثكنات السرية، لهذا بالذات تُستهدف كوردستان: لأنها تذكّر الآخرين بما كان يمكن أن يكون عليه العراق لو اختار طريق الشراكة الحقيقية بدل عقيدة الإقصاء والعقاب الجماعي.

  ستسقط هذه الحرب الناعمة كما سقطت من قبلها دكتاتورية الحديد والنار، وستبقى كوردستان - مهما اشتد الحصار - عنوانًا لإرادة شعب رفض أن يُباد في الأنفال، ويرفض اليوم أن يُركع بالجوع والظلام.

 


مشاهدات 27
الكاتب كفاح محمود
أضيف 2025/11/30 - 3:30 PM
آخر تحديث 2025/12/01 - 2:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 119 الشهر 119 الكلي 12784024
الوقت الآن
الإثنين 2025/12/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير