رحلتنا في هرم ماسلو
خونچه صباح أَحمد
يُقال إنّ للإنسان سلّمًا باطنيًّا لا يُصعِده إلا إذا أشبع حاجاته طبقةً بعد طبقة، كما صوّره ماسلو في هرمه الشهير: من فتات الخبز إلى رحابة الإبداع، غير أنّ موظف الدولة في أوطاننا ليس متسلّقًا حرًّا على سلّمٍ ممهَّد، بل كائنٌ يتيه عند سفوحه، يمدّ يده إلى أول درجة فلا يجد إلا هواءً مثقلاً بالانتظار.
إنّه متسلّقٌ يلاحق قمّة جبلٍ من زجاج، يحمل على ظهره أثقال الديون، وتشدّه إلى الأسفل قيود العجز، يمدّ قدميه نحو الصعود، فلا تزيده الأيام إلا انحدارًا. فالخبز، أوّل المراتب، غدا عزيز المنال، أثقلته كفّة غلاء المعيشة وأجهده تأخير الرواتب، حتى صار حملًا على الصدر ينهك الأنفاس؛ فإن عجز الموظف عن اجتياز الدرجة الأولى من السلّم، فكيف له أن يرقى إلى عليائه؟ إنّ قمّة الهرم عندئذٍ تظلُّ بعيدة، فيبقى تحقيق الذات حُلْمًا مؤجَّلًا، أشبه بنجمٍ يلمع في السماء ولا تصل إليه يد، والأمان، قد تصدّع مع كل تأخّر في راتب، حتى صار يبيت على وسادةٍ من قلق، ويصحو على نهارٍ يقطر من جبينه ترقّبًا وانتظارًا، أمّا الانتماء الاجتماعي، الذي يفترض أن يزهر في بيئة العمل، فقد ذبل كما يذبل الغصن في صحراءٍ عطشى، أثقله جفاف المشكلات ونقص الموارد، وجفّ عطاؤه قبل أن يُزهر، حتى غدا صدى باهتًا يتأرجح بين الحنين إلى الدفء والخذلان المستمر، وأمّا التقدير، فهو سرابٌ يتلألأ في الأفق؛ كلما اقترب منه الموظف لم يجد إلا صمت الجدران، ولا يسمع سوى ارتداد صدى عرقه المهدور، وأمّا قمّة الهرم، حيث يُفترض أن تنفتح بوابات الإبداع، فهي قصرٌ مُعلَّق في السحاب، يلوّح من عليائه؛ لكنه لا يُنزل سلّمًا للوصول.
هكذا يظلّ الموظف سجين الدرجات السفلى، يصارع من أجل البقاء كما يصارع الغريق لأجل نفسٍ واحد، بينما تتبدّد القمّة إلى سرابٍ يتلاشى مع كل يومٍ جديد. والسؤال الذي يفرض نفسه: متى يبلغ الموظف المستوى النهائي ويصعد إلى القمّة؟ وهل ثمة أملٌ في أن تُفتح له الدروب، أم سيبقى الطريق مؤصَدًا كأبوابٍ من حديد؟