من الهيمنة إلى المعاناة
لماذا تتراجع الأندية الكبرى؟
حسين البهادلي
تشهد كرة القدم العالمية حالة من التذبذب الواضح، حيث لم يعد بوسع الأندية الكبرى فرض هيمنتها كما اعتادت، وهو ما يبدو جليًا في نتائج الموسم الحالي. فمانشستر سيتي، بطل أوروبا وإنكلترا، لم يعد ذلك الفريق المرعب، وتجلى ذلك في سقوطه أمام آرسنال بنتيجة صادمة، مما وضع المدرب بيب غوارديولا في موقف محير، وأثار قلق جماهير اعتادت على حصد البطولات بنفس كتيبة النجوم.
وإذا كان السيتي يواجه خطر التراجع عن القمة، فإن التاريخ يذكرنا بأن استعادة المجد في الدوري الإنكليزي قد تستغرق سنوات طويلة، كما حدث مع ليفربول الذي انتظر 30 عامًا للعودة، ومع مانشستر يونايتد الذي لم يجد طريقه منذ رحيل السير أليكس فيرغسون عام 2013.
في إسبانيا، لا تبدو الأمور أفضل حالًا، حيث فقد كل من برشلونة وريال مدريد نقاطًا غير مسبوقة خلال 22 جولة، مما يهدد فرص أحدهما في مواصلة الصراع على القمة. أما في ألمانيا، فبعدما عاش دورتموند فترة ذهبية تحت قيادة يورغن كلوب، تلاشى بريقه، فيما يواجه بايرن ميونيخ خطر فقدان لقبه في ظل صعود باير ليفركوزن.
الأمر لم يقتصر على أوروبا، بل امتد إلى الأندية العربية الرجاء البيضاوي حامل لقب الدوري المغربي يعاني، والوداد لم يعد الفريق الذي يخشاه الجميع. الأهلي المصري، رغم صراعه على القمة، لم يقدم أداءً ثابتًا بعد خسارته نقاطًا غير متوقعة، والعين الإماراتي خرج من دوري أبطال آسيا بلا أي انتصار. أما الهلال السعودي، الذي كان مرشحًا فوق العادة للهيمنة محليًا وقاريًا، فقد نقاطًا كثيرة وأصبح وضع مدربه جورجي جيسوس محل نقاش.
اللافت أن هذا التراجع الجماعي للأندية الكبرى لم يكن وليد الصدفة، بل هو انعكاس لعوامل متشابكة، أبرزها الإرهاق البدني جراء تلاحم المواسم، وارتفاع مستوى المنافسة مع صعود فرق كانت سابقًا خارج دائرة الضوء. لم يعد الفوز حكرًا على أسماء بعينها، بل أصبح أكثر ارتباطًا بقدرة الفرق على التأقلم مع متغيرات اللعبة، سواء على المستوى التكتيكي أو الإداري.
في المقابل، فإن الأندية الصاعدة لم تكتفِ بمنافسة الكبار، بل باتت تشكل تهديدًا حقيقيًا على عروشهم، كما هو الحال مع آرسنال في إنجلترا، وجيرونا في إسبانيا، وباير ليفركوزن في ألمانيا. هذه الفرق لم تعد تكتفي بالظهور المؤقت، بل تبني مشاريع طويلة الأمد تهدف إلى كسر احتكار الأندية التقليدية للبطولات. وبالعودة إلى كأس العالم للأندية، فإن البطولة المقبلة قد تشهد تفاوتًا كبيرًا في المستويات بين الفرق المشاركة، ما قد يؤثر على القيمة الفنية للبطولة. ومع ذلك، فإنها ستشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأندية الكبرى على استعادة هيبتها، أو ربما تأكيد أن التراجع ليس عابرًا، بل هو بداية لمرحلة جديدة في تاريخ كرة القدم العالمية. وفي ظل هذه التحولات، يبدو أن إدارة الأندية الكبرى أمام تحدٍ مزدوج؛ فمن جهة، عليها التعامل مع الضغوط الجماهيرية والإعلامية التي لا تقبل سوى الانتصارات، ومن جهة أخرى، يجب عليها إعادة تقييم استراتيجياتها في التعاقدات وإدارة الفرق، خاصة أن الاعتماد على الأسماء الكبيرة لم يعد كافيًا لضمان الهيمنة.أصبح من الضروري التركيز على تطوير المواهب الشابة، وتحديث أساليب اللعب بما يتناسب مع سرعة وتكتيك كرة القدم الحديثة. كما أن الجانب الاقتصادي يلعب دورًا مهمًا في تحديد مستقبل هذه الأندية، فمع تضخم عقود اللاعبين والمدربين، وتأثير اللوائح المالية الجديدة مثل «اللعب المالي النظيف»، تجد بعض الفرق نفسها مقيدة ماليًا وغير قادرة على إجراء تغييرات جذرية في صفوفها. وفي المقابل، تظهر أندية أصغر لكنها أكثر مرونة من الناحية الإدارية والاقتصادية، ما يمنحها ميزة تنافسية على المدى البعيد. لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الأندية ستتمكن من استعادة مكانتها، أم أنها ستشهد مزيدًا من التراجع أمام صعود قوى جديدة تغير موازين القوى في كرة القدم العالمية. وبغض النظر عن الاتجاه الذي ستأخذه هذه التغييرات، فإن المشجعين حول العالم سيبقون على موعد مع كرة قدم أكثر تنافسية، حيث لم يعد هناك فريق محصن من السقوط، ولم يعد الفوز مضمونًا حتى لأكبر الأسماء.
حسين البهادلي