شخصيات من بلادي.. مظفّر النواب
شاعر لم يستثن أحداً من الحقيقة
صالح رضا
هناك شعراء يمرّون في حياة الناس مثل نسمة عابرة، وهناك شعراء يتركون في الذاكرة جرحاً لا يندمل وصوتاً لا يخفت. ومظفّر النواب واحد من أولئك الشعراء الذين لم تكن قصائدهم مجرد كلمات تُقال، بل مواقف إنسانية ووطنية حملت غضب الشارع العربـــــــي وأحلامه وانكساراته، فصار اسمه حاضراً في الوجدان العراقي والعربي، وصارت قصائده تتردد على ألسنة محبيه في مختلف البلدان.
وُلد الشاعر مظفّر عبد المجيد النواب في بغداد عام 1934، ونشأ محباً للأدب والشعر، حتى برزت موهبته مبكراً. درس في كلية الآداب بجامعة بغداد، وعمل في التعليم، لكنه عاش حياة مضطربة فرضت عليه الاعتقال والملاحقة والغربة، فتنقّل بين البلدان، حاملاً العراق في ذاكرته، ومعبّراً عن قلق الإنسان العربي وأسئلته الكبرى. لم يكن النواب شاعراً يسعى إلى إرضاء الجميع، بل كان يمتلك صوتاً خاصاً لا يعرف المهادنة في التعبير عن قناعاته. جمع بين الشعر الشعبي العراقي والشعر الفصيح، وأجاد مخاطبة الناس بلغتهم اليومية، كما امتلك قدرة على بناء الصور الشعرية المكثفة التي تترك أثرها في النفس. وكانت قصيدته عنده مساحة للاحتجاج، ومنبراً للبوح، ومرآةً يرى فيها الإنسان أوجاعه وأحلامه.
ومن أشهر قصائده الشعبية «للريل وحمد»، التي استلهم فيها أجواء البيئة العراقية والقطار والانتظار والحنين، فصنع من مشهد بسيط حكاية إنسانية واسعة الدلالة. وتكشف هذه القصيدة جانباً آخر من موهبته؛ فالشاعر الذي اشتهر بقسوة الهجاء السياسي كان قادراً أيضاً على الإمساك بالتفاصيل الحميمة للحياة العراقية، وتحويلها إلى شعر نابض بالشجن والجمال.
أما في الشعر الفصيح، فقد ترك أعمالاً بارزة، من بينها ،،وتريات ليلية،، التي تتجلى فيها نبرته الاحتجاجية ورؤيته النقدية للواقع العربي. وفي هذه التجربة تتداخل السياسة بالوجدان، والتاريخ بالحاضر، ويصبح الشعر مواجهةً مع الخذلان والتناقضات التي أحاطت بالإنسان العربي في مراحل عصيبة من تاريخه. وتظل فلسطين والقدس من أكثر القضايا حضوراً في تجربته. ففي المقطع الشهير المعروف باسم ،،القدس عروس عروبتكم،، صاغ النواب واحدة من أقسى صرخاته الشعرية في وجه التخاذل العربي. جعل القدس عروساً تنتهك حرمتها أمام أعين من يتغنون بعروبتهم، في صورة شعرية صادمة أراد بها أن يكشف المسافة بين الشعارات والمواقف، وبين الكلام عن الكرامة والعجز عن حماية الأرض والإنسان.لم يكن غضبه موجهاً إلى الحكام وحدهم، بل امتد إلى الجمهور الذي يكتفي بالمشاهدة، وإلى كل من يرفع الشعارات ثم يتراجع حين تأتي ساعة المسؤولية. وفي ختام هذا الموقف يطلق عبارته الشهيرة: ،،لا أستثني أحداً،،، وكأنه يضع الجميع أمام مرآة واحدة، لا تسمح لأحد بالاختباء خلف مواقف الآخرين.وقد جاءت قوة هذا المقطع من جرأته في كسر اللغة الدبلوماسية المعتادة، واستخدامه خطاباً شعرياً حاداً أراد أن يهز الضمير ويوقظ الوعي. واختلف الناس في أسلوبه القاسي ومفرداته الصادمة، لكن القصيدة بقيت من أبرز الأمثلة على الشعر الذي يتجاوز الزينة اللفظية ليصبح موقفاً من قضية مصيرية. إن النواب لم يكن صوتاً سياسياً فحسب؛ ففي شعره حنين إلى الوطن، ووجع للمنفيين، وانحياز إلى البسطاء، ورفض لما يراه ظلماً أو استغلالاً. وقد منحته اللهجة العراقية قدرة على الوصول إلى قلوب الناس، فيما منحته الفصحى مجالاً أوسع لمخاطبة القضايا العربـــــــية والإنسانية. وبـــــين هذين العالمين تشكّلت تجربته الخاصة التي يصعب وضعها في قالب واحد.
عاش النواب سنوات طويلة بعيداً عن العراق، لكن الغربة لم تنتزع منه انتماءه، وظل الوطن حاضراً في قصائده، في ذاكرة المدن والأحياء، وفي صور الناس الذين تركهم خلفه. ولم تكن رحلته سهلة، فقد حملت سنوات المنفى الكثير من التعب والتحولات، غير أن الشعر ظل رفيقه ووسيلته في مواجهة العالم والتعبير عن ذاته.وفي 20 أيار عام 2022، رحل مظفّر النواب في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، عن عمر ناهز ثمانية وثمانين عاماً، ثم نُقل جثمانه إلى العراق ليوارى الثرى في النجف الأشرف. وبغيابه فقدت الثقافة العراقية شاعراً صاحب تجربة استثنائية، بقيت قصائده حاضرة في الأمسيات والقراءات والذاكرة الشعبية.
إن استذكار النواب ضمن مشروع (شخصيات من بلادي) ليس مجرد استعادة لسيرة شاعر كبير، بل هو وقوف أمام تجربة إنسانية وأدبية حملت تناقضات عصرها وأسئلته. فقد أحبّه كثيرون لجرأته وصدقه، واختلف معه آخرون في أسلوبه، لكنه ظل شاعراً يصعب تجاهل حضوره وتأثيره.رحم الله مظفّر النواب؛ الشاعر الذي جعل من القصيدة صوتاً للغضب والحنين، ومن الكلمة مواجهةً مع الصمت، وترك لنا إرثاً شعرياً يذكّرنا بأن الشعر لا يُقاس بجمال عباراته وحده، بل بما يثيره في النفس من أسئلة، وما يتركه في الذاكرة من أثر.