قراءة نقدية في مجموعة (قطاف) مختارات من القصة القصيرة في قطر
حيدر علي الاسدي
ضمن الإصدارات الخاصة بإدارة البحوث والدراسات الثقافية (كتاب الدوحة) صدرت المجموعة (قطاف: مختارات من القصة القصيرة في قطر) والناشر وزارة الثقافة والرياضة في دولة قطر وقدم للكتاب الدكتور رامي ابو شهاب، ورغم ان الادب القصصي حديث في المنطقة الخليجية الا انه اثبت حضوره في السنوات الأخيرة من خلال العديد من الكتاب المبدعين والذين واكبوا الاشكال السردية الحداثوية بتقديم موضوعات ذات سمات تتقارب من البيئة العربية وتخرج من معطفها ضمن الفضاء العام لهذه البيئة، ومنها هذه المجموعة القصصية التي تتفرد بهويتها العربية (الخليجية) لتنقل صورة الواقع الصادق لتحقيق التكامل بين الادب السردي والمجتمع من خلال رصد هموم ومعاناة وازمات الاسرة والمرأة على وجه التحديد بالتركيز على الظواهر الاجتماعية ومنظومة العلاقات بين (الرجل) و (المرأة) هذه العلاقة التلازمية التكاملية والمأزومة في بعض الاحيان وما يكتنفها من جدلية مستمرة فالقصة القصيرة في هذه المجموعة تقدم وظيفتها الاجتماعية على اتم وجه وتتحول هذه العلاقات الدينامية المجتمعية عبر مجموعة القصص وفقا لسيرورة منظومة العلاقات المجتمعية عبر منطلقات بؤرة ترتكز على كيان المرأة ونظرتها للحياة كعين كاميرا تلتقط وتبث، فهي الخيط المتين التي يجمع اغلب نصوص هذه المجموعة، فالبعد الاجتماعي يحضر بقوة بهذه المجموعة لرصد تلك التحولات والتركيز على محاولة نقد السلوكيات والسلبيات المجتمعية وصورة تأثيرها على المرأة والاسرة ونظرتها للوجود وللرجل وسنختار هذه العينات لتقديم قراءة منتجة لنصيات هذه المجموعة واولها قصة (الموت مرتين) للدكتورة كلثم جبر الكواري سنجد فيها شفافية وجمالية للمكان من خلال هذه السردية سواء اكان ذلك المكان (المفتوح/ المغلق) بمألوفية الحميمية السردية المنطلقة بعين أنثى ساردة (المقاهي) (رصيف الميناء) (ساحة سان ماركو) (موج البحر) (قيلولة ممطرة بتلك الساحة العريض سان ماركو والمطر ينهمر رذاذًا ناعمًا يغري السياح بالالتصاق مستمتعين بالدفيء الموج في حين شرعت المقاهي تسدل أغطيتها فوق رؤوس روادها الذين اغتسلوا برذاذ المطر/ص20) ثم يجي المسطور : (القاضي صامت والقاعة واسعة) ففي هذه السردية راديكالية نسوية ضدية من المجتمع الابوي (كان القاضي رجلًا ، وكان ابي رجلًا، وامي اصبحت رجلًا...كان الجيران حتى الأناث منهم رجالًا) وكأن الساردة تتلاحم مع شخصيتها النسائية لتعترض على هذه الهيمنة الذكورية، وهذا التحول السيكولوجي ينعكس على البيئة المادية المحيطة التي تتحول وفقا لتطلعات الشخصية اذ في النهاية يتحول حلم فينسيا الى مطر من القهر الممزوج بالوجع، اما قصة القاص محمد حسن الكواري (ابدًا لم تكن هي) فهي الأخرى تصور معاناة المرأة وازمتها الاسرية ،وهذا الضرب في ظاهرية النص السردي هو انعكاس لصراع جدلي مع الاخر (الرجل) ووصف التفاصيل الدقيقة لأثارة التعاطف والتعرية المجتمعية لتحقيق صدمة للمتلقي وتقديم صرخة الرفض والاحتجاج على هذا السلوك : فقد جاء فيها : (كل القرائن توحي بانك القاتلة ، لقد كان يضربك ويشتمك أمام الناس ولا ينفق عليك ، اخذ كل اموالك وباع ما تملكين من حلي، عاطل عن العمل لا يسمح لك بزيارة أهلك وعندما كنت تمرضين لا يصطحبك الى المستشفى/ص31-32) وفي مورد اخر : ((لماذا تركت وظيفتك؟ هو أجبرني على تركها. لماذا؟ لكي اخدمه واكون له وحده. هل كان زوجك شيخا متزمتًا؟ لا بل كان سكيرًا ومدمن مخدرات/ص34-35) اما القاص الدكتور حسن عبدالله رشيد في قصته (الحضن البارد) تحضر بقوة المفردات الشعبية التراثية (المهفة) (بودرياه)(الفسيجره)(القايلة) (المستراح) (الفنر) (السنون) (الليوان) (السطوح) لتضف جمالية خاصة على هذه السردية التي تنطلق من مركز الحكايات التراثية بدفئها المعتاد وذاكرتها الرحبة (الام العودة) وموروثنا عن (حكايات الرعب والخيال والاسطورة) في تراثنا العربي الخليجي، ومديات تلك العلاقة المترابطة مع البحر وما يمثله من دلالة لفضاء مفتوح على هذه التأويلات، اما القاصة الدكتورة هدى محمد عبداللطيف النعيمي في سرديتها (في مخدعي اخرى) تكشف لنا عن شخصية مها التي تضطرها الظروف لتكون زوجة ثانية والمفارقة في نهاية القصة (مها اردت ان احدثك بأمر لا ادري كيف تكون بدايته. قلت وانا احس بكل ما في يتمزق: -أعرف يا احمد هناك اخرى) وهي تتحدث عن اهواء تعدد الزوجات دون الامتثال لموجبات هذا التعدد واثرها على نفسية المرأة من كل الجوانب ،اما القاصة لولوة خلف البنعلي في قصتها الموسومة (في قريتنا ذئاب) تحضر رغم الإشارة لها في بادئ القصة بقلة شخصية الام في مركزية ثيمية عالية الدلالة من خلال المقولة التحريضية والتحذيرية (احذروا ذئاب الطريق/ص76) فعبر رمزية موطن الأمان (الام) تتحرك دراميا الشخصيات (البنات) لتشكل القصة على امتدادها (رحلة) بما في هذه الرحلة من جمالية وصفية للسارد العليم وهو يكشف لنا عن جمالية المغامرة والرحلة القصيرة وتخوم فضائها الجغرافي الموصوف بدقة من الساردة وبعبارات مجازية وبلاغية مميزة : (صوت حفيف اجنحة الفراشات يملأ المكان. بدأت الفراشات تخرج من شرنقاتها المعلقة على اغصان اشجار تعبت من حمل اوراقها طوال السنة فصارت شبه عارية تنوء بثقل الشرانق/ص79) (بدأت حبات مطر صغيرة تسقط علينا عندما مررنا بالمقهى/ ص79) كل هذا الجمال الوصفي للمكان الجغرافي المألوف يشيء بجمالية على مستوى البناء والتأثيث لتقديم صورة سيكولوجية مميزة عن منظومة العلاقات والمحيط بالشخصية السردية واثرها المتجسر مع الثيمة (موضوعة القصة المركزية) ودلالتها ، لتأتي المفارقة في نهاية القصة وهي مفارقة طريفة تتسم بالسخرية : ((رمينا الحقائب وجرينا بأقصى ما نستطيع لقد نسيت امي ونسيت انا ان اليوم يوم عطلة)) اما القاصة دلال خليفة في نصها (الخيل وفضاءات البنفسج) فقد بنت حدثها على شخصية (نور ،بنفسج) وأيضا ثمة حضور لموضوع الخيانة الزوجية والوحدة والحبيب السابق فالبطلة بنفسج هنا تشبه نفسها بسيارة مركونة في المراب لتفضي الساردة الى حالة من التشيؤ حاولت المؤلفة ان تقف بالضد منها : ((وبقيت في المراب اسعد سعادة ساذجة بمجرد تلبية اوامره واجتناب نواهيه حتى حان موعد بيعي مراهنا على تقديري لذاتي/ ص98) وتقول أيضًا : ((لم اشعر قط مع اي من الثلاث الذين تزوجتهم بانني وصلت الى الاستقرار/ص98) وللإشارة فان هذه القصة كانت طويلة جدًا بحيث تصلح لكي ترتقي لرواية قصيرة ، اما نورة محمد ال سعد في نصها: (سميتي المرقاب 1970) او ممكن تسميتها بـ (فاطمة سميتي) فهي تتحدث عن الفوارق الطبقية والبيئية بطريقة ناقدة لهذه الفوارق المزيفة والواهنة : (ماذا لو انني ولدت هناك في الطرف الاخر من الحي...حلمت ليلتها بانني كنت ابات في فراش فاطمة بينما باتت هي في فراشي مع امي واخوتي/ص130) هذه الفوارق نستنتجها من الجملة السردية الاتية : (لان بيتهم على طرف الفريج بينما بيتنا في قلبه تماماً) اما القاصة (شمة شاهين الكواري) في قصتها (مع ابي) تتمظهر لنا شخصية منى مع الاب وفق جدلية كبيرة وواقع اجتماعي ونفسي معقد وملتبس تعيشه هذه المرأة ، لان أمها تزوجت من اخر وجدتها تلح على ابيها ان يتزوج من ثانية، وبعدها موت الاب بالمرض، ففي هذه السردية كمية كبيرة من الاحداث نجحت مؤلفتها بإيجاز واقتصاد لغوي من اكتناز معانيها وتقديمها بصورة واعية، اما في قصة الاديب (محسن فهد الهاجري) (حرام عليك) وهو يكشف حجم سطوة المجتمع الذكوري بحق المرأة على وفق نقديته للأعراف البالية المتجسدة في تعالي الرجل ومحاولة ارضاخه لذات وكرامة المرأة : (اسمعي يا امرأة هذه اول واخر مرة تأكلين فيها معي ... انا اولًا ثم تأتين من بعدي تأكلين ..افهمت يا امرأة، صدمت لسماعها ذلك منه وكاد ان يغمى عليها لولا ان تمالكت نفسها وارتعشت وهي تقول له -حرام عليك...حرام عليك...لقد كانت اول مرة تقولها فيها هذه الكلمات له /ص166-167) انها مجموعة مميزة وشكرًا لمجلة الدوحة لأنها اختارت هذه القصص المعبرة عن الواقع المجتمعي في الخليج والتي تمثل النقد الاجتماعي للعديد من السلوكيات السلبية.
**ناقد واكاديمي عراقي