الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف سيُعاد تشكيل الشرق الأوسط بعد الصراع المفتوح؟

← بواسطة azzaman

بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني..

كيف سيُعاد تشكيل الشرق الأوسط بعد الصراع المفتوح؟

محمد حسن الساعدي

 

الصراع الدائر بين واشنطن وطهران لم يعد مجرد أزمة عابرة أو جولة جديدة من جولات التوتر التقليدية التي اعتادتها المنطقة طوال العقود الماضية، بل تحول إلى مواجهة استراتيجية مفتوحة تتجاوز حدود الخلافات السياسية والعسكرية المباشرة لتلامس طبيعة النظام الإقليمي بأكمله فطبيعة المعركة الجارية لا تتعلق فقط بالبرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، وإنما تدور حول سؤال أكبر يتعلق بمن يملك حق رسم خرائط النفوذ ومستقبل التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة خلال العقود المقبلة.

الولايات المتحدة مدركة تماماً أن إيران استطاعت خلال السنوات الماضية أن تبني شبكة نفوذ معقدة تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، مستفيدة من فراغات السلطة التي خلفتها الحروب والأزمات الداخلية في عدد من الدول العربية، كما تدرك في الوقت ذاته أن احتواء هذا النفوذ لم يعد ممكناً عبر العقوبات الاقتصادية وحدها أو من خلال الضغوط الدبلوماسية التقليدية، لذلك يبدو أن واشنطن انتقلت إلى مرحلة أكثر صلابة هدفها إعادة هندسة البيئة الأمنية التي سمحت لطهران بالتمدد وتحويل أدواتها الإقليمية إلى مصدر تأثير دائم.

طهران تنظر إلى هذا الصراع بوصفه معركة وجود وليست مجرد معركة نفوذ فالقيادة الإيرانية ترى أن أي تراجع استراتيجي كبير سيؤدي إلى انكماش دورها الإقليمي وإضعاف قدرتها على الردع، وهو ما قد يفتح الباب أمام ضغوط داخلية وخارجية متزايدة تهدد مكانتها الإقليمية لهذا السبب تتعامل طهران مع الصراع بمنطق الصمود الطويل واستنزاف الخصم بدلاً من السعي إلى حسم سريع لا تملك أدواته العسكرية المباشرة،وأما مخرجات هذا الصراع فمن المرجح أن تتخذ عدة مسارات متداخلة، وأولى هذه المخرجات يتمثل في إعادة توزيع النفوذ داخل الشرق الأوسط فحتى لو لم تنته المواجهة بانتصار حاسم لأي طرف، فإن مجرد استمرارها لفترة طويلة سيؤدي إلى استنزاف شبكات النفوذ الإيرانية وإجبارها على إعادة ترتيب أولوياتها وهذا بدوره قد يدفع العديد من القوى المحلية إلى البحث عن توازنات جديدة بعيداً عن المظلة الإيرانية التقليدية.

المخرج الثاني يتعلق بمستقبل التحالفات الإقليمية فالعديد من الدول التي كانت تعتمد سياسة الحذر أو الترقب قد تجد نفسها مضطرة إلى تحديد مواقعها بصورة أكثر وضوحاً وفي مثل هذه الظروف غالباً ما تتشكل تحالفات جديدة وتتفكك أخرى قديمة وفقاً لمعادلات الأمن والمصالح الاقتصادية والتحديات المشتركة لذلك فإن المنطقة قد تشهد ولادة منظومات تعاون مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفتها خلال العقدين الماضيين.

أما المخرج الثالث فيرتبط بالاقتصاد والطاقة فكلما تصاعدت المواجهة في المنطقة ارتفعت المخاوف المرتبطة بأمن الممرات البحرية وإمدادات النفط والغاز...نعم ربما صحيح أن الأسواق العالمية أصبحت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بالماضي، لكن استمرار التوتر سيعزز الاتجاه العالمي نحو تنويع مصادر الطاقة وخطوط النقل وتقليل الاعتماد على المناطق الساخنة، وهذا التحول قد يحمل آثاراً بعيدة المدى على الدول المنتجة للطاقة وعلى مكانة الخليج في الاقتصاد العالمي.

تبدو انعكاسات الصراع على العراق تبدو أكثر تعقيداً من غيره فهو يقع في نقطة التماس بين النفوذ الأميركي والإيراني، وأي تصعيد بين الطرفين ينعكس مباشرة على واقعه الأمني والسياسي والاقتصادي لذلك فإن أحد أهم مخرجات الصراع اندفاع الحكومة العراقية نحو حسم خياراتها الاستراتيجية بصورة أوضح، سواء عبر تعزيز سياسة التوازن بين الطرفين أو عبر بناء مقاربة أكثر استقلالية تقلل من تأثير الصراعات الخارجية على القرار الوطني.

المواجهة الحالية أثبتت أن كلفة الحرب الشاملة باهظة على الجميع، وأن القدرة على تحقيق نصر كامل تكاد تكون مستحيلة في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية ولهذا قد ينتهي الصراع إلى صيغة جديدة من التوازن القائم على الردع المتبادل، حيث يحتفظ كل طرف بأدوات الضغط والتأثير دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة طويلة الأمد،غير أن أخطر المخرجات المحتملة لا تكمن فيما يحدث على الأرض اليوم، بل فيما قد يتشكل غداً من متغيرات سياسية واجتماعية فالحروب والصراعات الكبرى لا تنتهي عادة عند حدود المعارك، بل تعيد إنتاج النخب السياسية، وتغير أولويات الشعوب، وتصنع خرائط نفوذ جديدة،ومن هنا فإن الصراع بين واشنطن وطهران قد يكون مقدمة لشرق أوسط مختلف تماماً، تتراجع فيه بعض القوى التقليدية وتصعد فيه قوى أخرى أكثر قدرة على التكيف مع التحولات الجديدة.

يمكن القول إن هذا الصراع لن يفضي على الأرجح إلى منتصر مطلق أو مهزوم مطلق، بل إلى واقع إقليمي جديد تُعاد فيه صياغة موازين القوة وفق معطيات مختلفة عن تلك التي حكمت المنطقة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، فواشنطن تسعى إلى تثبيت نظام إقليمي يحد من قدرة إيران على التمدد، وطهران تسعى إلى الحفاظ على مكتسباتها ومنع خصومها من فرض معادلات جديدة بالقوة وبين هذين الهدفين تقف دول المنطقة أمام مرحلة انتقالية دقيقة، قد تكون الأكثر تأثيراً في رسم مستقبل الشرق الأوسط منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، خصوصاً إن ما يجري اليوم ليس مجرد صراع بين دولتين، بل مخاض جيوسياسي طويل ستولد منه خرائط وتحالفات وقواعد اشتباك جديدة ستحدد شكل المنطقة لعقود قادمة.

 


مشاهدات 64
الكاتب محمد حسن الساعدي
أضيف 2026/11/03 - 3:03 PM
آخر تحديث 2026/11/04 - 1:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 202 الشهر 6763 الكلي 16657297
الوقت الآن
الأربعاء 2026/11/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير