الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحمار يفهم أكثر من المسؤول

← بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

الحمار يفهم أكثر من المسؤول

ياس خضير البياتي  

 

منذ قرون طويلة والبشر يظلمون الحمار ظلماً عظيماً. كلما أراد أحدهم أن يصف الغباء أشار إلى هذا الحيوان المسكين، وكأن الحمار هو المسؤول عما يجري على هذا الكوكب من أخطاء وقرارات عجيبة. لكن لو أتيحت للحمير فرصة الدفاع عن نفسها، لوقفت أمام محكمة التاريخ وهي تقول: "اعترض يا سادة، نحن أبرياء مما يُنسب إلينا، بل إن بعضنا يفهم أكثر من كثير من المسؤولين!

فالحمار، رغم كل ما يقال عنه، يمتلك قدراً من الحكمة العملية لا بأس به. عندما يكون الطريق مغلقاً يقف ويتردد، وعندما يشعر بالخطر يرفض التقدم. أما بعض المسؤولين فإنهم يندفعون نحو الحائط بسرعة هائلة، ثم بعد الاصطدام يشكلون لجنة لمعرفة أسباب وجود الحائط من الأساس.

الحمار أيضاً كائن واقعي جداً. فهو لا يعدك ببناء مدينة فاضلة، ولا يتحدث عن مشاريع عملاقة ستغير وجه التاريخ، ولا يعقد مؤتمرات صحفية يشرح فيها كيف أن الفشل الحالي هو في الحقيقة نجاح مؤجل. كل ما يفعله أنه يسير ويحمل الأثقال ويؤدي مهمته بصمت. بينما قد تجد مسؤولاً يتحدث لساعتين كاملتين دون أن تضيف كلماته معلومة واحدة إلى ما يعرفه الناس.

ومن الأمور التي تستحق التأمل أن الحمار يعرف حدود قدراته. فهو لا يدّعي أنه حصان سباق، ولا يتظاهر بأنه نسر يحلق في السماء. أما بعض المسؤولين فيستيقظون صباحاً وهم مقتنعون بأنهم خبراء في الاقتصاد والطب والهندسة والتعليم والزراعة والفضاء والطاقة النووية، وإذا بقي وقت قبل الغداء ربما أصبحوا خبراء في الفلسفة أيضاً. والأعجب من ذلك أن الحمار يتعلم بسرعة من التجربة. فإذا سقط في حفرة مرة واحدة تجده أكثر حذراً في المرة التالية. أما بعض المسؤولين فيقعون في الحفرة نفسها عشر مرات، ثم يخرجون ليعلنوا أن الحفرة مؤامرة خارجية وأنهم في طريقهم لوضع استراتيجية وطنية لمواجهة الحفر.

ويتميز الحمار بصفة نادرة تكاد تنقرض في عالم الإدارة الحديثة، وهي الصمت عند الجهل. إذا لم يفهم الحمار شيئاً فإنه لا يقفز لإعطاء محاضرة مطولة حول الموضوع. أما بعض المسؤولين فإنهم يستطيعون الحديث بثقة هائلة عن أمور لا يعرفون عنها شيئاً، لدرجة أنك تبدأ بالشك في نفسك وتعتقد أنهم عباقرة، ثم تكتشف بعد أشهر أن القرار الذي اتخذوه كان كارثة وأن الثقة كانت أكبر بكثير من المعرفة.

والحمار، على عكس ما يشاع، يحترم الوقت. فهو عندما يبدأ السير يعرف وجهته تقريباً. أما بعض المؤسسات التي يديرها مسؤولون محترفون في فن التأجيل، فقد يتحول طلب بسيط إلى رحلة تاريخية تمر على سبعة مكاتب وثلاثة أختام وأربع لجان وخمسة اجتماعات حتى ينسى المواطن أصلاً لماذا تقدم بالطلب.

حتى في مسألة تحمل المسؤولية، يبدو الحمار أكثر نزاهة. فإذا توقف عن العمل تعرف مباشرة أنه متعب أو جائع أو مرهق. لا يقدم لك ألف عذر مختلف. أما البعض، فإذا فشل مشروع ما، تبدأ رحلة البحث عن المذنبين: الموظف مذنب، والطقس مذنب، والميزانية مذنبة، والماضي مذنب، وربما كوكب المريخ مذنب أيضاً، إلا الشخص الذي اتخذ القرار فإنه آخر من يمكن تحميله المسؤولية. ومن الطريف أن الحمار لا يحب الظهور. لا يطلب صوراً تذكارية وهو يحمل الأحمال، ولا يبحث عن كاميرات الإعلام كلما تحرك متراً واحداً. إنجازاته متواضعة لكنها حقيقية. بينما أصبح بعض المسؤولين مقتنعين بأن التقاط الصورة أهم من إنجاز العمل، وأن كتابة التقرير أهم من تنفيذ المشروع، وأن الحديث عن النجاح أهم من تحقيقه.

وفي النهاية، لا تهدف هذه المقارنة إلى إهانة المسؤولين بقدر ما تهدف إلى الاعتذار للحمار. لقد تحمّل هذا الحيوان المسكين قروناً من الاتهامات الباطلة، بينما أثبت في كثير من الأحيان أنه أكثر التزاماً بالعمل، وأكثر صدقاً في السلوك، وأكثر انسجاماً مع الواقع من بعض الذين يمتلكون المكاتب الفخمة والألقاب الطويلة.

لذلك، لعلّ الوقت قد حان لإعادة النظر في أمثالنا الشعبية، وإنصاف الحمار من تهمةٍ التصقت به ظلمًا عبر القرون. فليس من العدل أن نجعله رمزًا للغباء، وهو الذي علّمنا، من حيث لا يدري، دروسًا في الصبر والعمل واحترام حدود القدرة. إنه يحمل أثقاله بصمت، ويمضي في طريقه دون أن يطلق الوعود، أو يعقد المؤتمرات، أو يحمّل الآخرين مسؤولية تعثره.

فالحمار، في نهاية المطاف، كائن محترم يعرف مهمته، ويؤدي واجبه، ولا يدّعي أنه يحمل مشروعًا لإنقاذ البلاد، ولا يَعِدُ الناس بجنةٍ على الأرض ثم يتركهم يتدبرون أمر الجحيم!

معذرةً أيها الحمار... لقد ظلمناك حين شبّهناك ببعض سياسيينا؛ فأنت تحمل الأثقال ولا تسرقها، وتصمت ولا تكذب، وتمشي إلى الأمام، ولا تعود كل صباح لتبحث عن عذر جديد لفشلك!

yaaas@hotmail.com


مشاهدات 79
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/11/01 - 3:40 PM
آخر تحديث 2026/11/02 - 1:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 147 الشهر 2356 الكلي 16652890
الوقت الآن
الإثنين 2026/11/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير