الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
معرض وإنسان ومدينة

← بواسطة azzaman

لمن تقرع الأجراس ؟

معرض وإنسان ومدينة

هاشم حسن التميمي

 

اختُتمت السبت الماضي فعاليات المعرض الدولي الثامن عشر للكتاب، الذي نظمته في أربيل دار المدى، بطريقة مبهرة رسّخت في الأذهان صوراً لا تُنسى عن الكتاب والإنسان والمدينة. ونسرد بإنصاف قليلاً من الانطباعات التي لا تُنسى، بعيداً عن المجاملات.

المعرض حدث ثقافي كبير، حضرته المئات من دور النشر العربية المعروفة والعراقية، وفي مقدمتها دور نشر كردية تسابقت مع الزمن لترجمة ذخائر الآداب والفنون والعلوم إلى اللغة الكردية، وإبراز إبداعات أجيال من الكرد، في رغبة لتأكيد الذات في ظل تحديات مريرة هددت الإنسان والهوية، لكنها عمّقت جذورهما وكشفت مكنونهما.. تميزت الفعاليات بحضور عراقي لافت من نخب أكاديمية وأدبية وإعلامية وسياسية، وسط جمهور متلهف لسماع الكلمة الحرة، المؤطرة بروح المراجعة الموضوعية لمسار الديمقراطية في العراق، التي تغرّبت عن نهجها وابتعدت عن آمالها الكبيرة.. نقل المعرض أكثر من رسالة لصنّاع القرار ولعموم الناس. أولها أن الفكر والثقافة أكثر أهمية في التغيير من السياسة؛ ولذا فإن دور المفكر والمثقف أكثر خطورة وتأثيراً في التحولات من دور النماذج السياسية التي تدوّر نفسها في مشهد حكم متهم بالجهل واحتكار السلطة بالمحاصصة وتدوير الفشل منذ ربع قرن.

رسالة أخرى تنقلها حركة الإعمار في مدينة صغيرة أصبحت دولة متمدنة، بينما تتراجع شقيقاتها وتتمزق ما بين فتاوى التطرف الديني وفساد رجال الحكم. وأمسى المواطن يبحث عن ملاذ آمن ومرفق سياحي لا تداهمه الميليشيات باسم الدين والحشمة وخدش الحياء العام، وصارت قنينة البيرة أخطر من أطنان المخدرات التي توزّع في وضح النهار…

اتسم تنظيم المعرض بالدقة والهدوء والتنسيق في كل المحاور، وبالعلاقات العامة الراقية عند استقبال الضيوف وتنقلهم، وتأمين مشاركتهم وإنجاح فعالياتهم وملتقياتهم مع أقرانهم وجمهورهم.

ولا نبالغ حين نقارن بين ما جرى بالامس القريب، ( الزمن الجميل)حين كانت تُعقد مهرجانات ضخمة هدفها الدعاية للنظام وصنمه الأوحد، وخدمة الوفود العربية وانتزاع كلمات الإعجاب بالقائد الضرورة وإنجازاته وحروبه الكونشوتية. وكانت تصدر التعليمات بأن يكون المبدع العراقي، مهما كانت شهرته، خادماً لضيوف القائد، فلا يُسمح له بمنافسته أو مزاحمته، أو الجلوس معه على مائدة الطعام، أو الانفراد معه بحديث خاص، تلتقطه أجهزة الأمن قبل رمشة عين.. وأعرف أن ما أختم حديثي به لا يعجب البعض، لجهلهم بالحقائق أو لأدلجة مواقفهم المسبقة، وربما لاتهامنا بالتزلف. وعلى الرغم من هذا وذاك، نجاهر بالقول، مهما تعددت الظنون، إننا عشنا في الزمن السابق لنرى أن المطلوب من المثقف أن يكون تابعاً ذليلاً وبوقاً حقيراً. وبعد ذلك، كرّس اليوم  ساسة السلطة وحكامها ونوابها دور المهوال، عبر جيوش إلكترونية وفضائيات ولائية.. ولأول مرة منذ خمسين عاماً، أحضر فعالية عراقية وأشعر، كما شعر آخرون من (أدباء وإعلاميين وفنانين ومدعوين، ) بأنني سيد في بلدي وليس ذيلاً أو عبداً لأصحاب المناصب والمنابر والفتاوى باسم الله. ولضيًوفهم الذين قبضوا الملايين من كابونات النفط من اجل تغريدة ومقالة تمجد الرمز والزعيم السابق او اللاحق..!

فشكراً للمدى ولمهندس فعالياتها، الذي كرّس فلسفة احترام الثقافة وتقديس قيمة الإنسان. واحسبوا ذلك تملقاً إن شئتم، وحسبي أن الله يعلم ما في القلوب، ويشهد بذلك كل منصف غير حاسد أو حاقد على النجاح.

 


مشاهدات 63
الكاتب هاشم حسن التميمي
أضيف 2026/11/01 - 3:37 PM
آخر تحديث 2026/11/02 - 1:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 147 الشهر 2356 الكلي 16652890
الوقت الآن
الإثنين 2026/11/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير