من السلطة الرابعة إلى التائهة
شيرزاد نايف
بالأمس كان الإعلام رقيباً على السلطة لكن اليوم صار رقيباً عند السلطة؛ أي أنه كان رقيباً يحرس السلطات، فصار رقيباً في بلاط السلطات. كان يخشاه الحاكم، فصار يخشى الحاكم. وكان يظهر الحق ويظهر الباطل كي يبين الأول ويغلب الثاني، فصار يظهر الباطل ويظهر على الحق. كان قلماً يقلم أظافر الفساد، فصار قلماً يقلم أظافر الحقيقة. وكان يشهر الفاسد ليفضحه، فصار يشهر الفاسد ليجعله نجماً. كان خبراً يُختبر بالعقل، فصار خبراً يُختبر به الكذب. وكان صادعاً بالحق، فصار صاداً عن الحق. كان ينير العقول ولا يثير الفتن، فصار يثير الفتن ولا ينير العقول. ثم انقلب الميزان. الإعلام الذي كان رابعاً يربع على عرش الرقابة، صار مربعاً يربع الناس في زوايا الترند. والذي كان يصون الدولة من الزلل، صار يصون الزلل في الدولة، لم يعد الإعلام سلطة رابعة، بل صار على حالين؛ إما سلطة أولى تسلطت فسلطت الحاكم على المحكوم، وإما سلطة مبعثرة تسللت فلا هي حكمت ولا هي راقبت. سلطة تملك كل المنابر ولا تملك منبراً واحداً للحقيقة. كان قليل الكلام كثير المعنى، فصار كثير الكلام قليل المعنى. كان صامتاً ناطقاً بالحق حين يجب الكلام، فصار ناطقاً صامتاً عن الحق حين يجب الصمت. كان يسمع من لا صوت له، فصار يسمع من لا يستحق السمع. فيا أيها الإعلام، إن كنت رابعاً فارجع تربع مكانك، وإن كنت تائهاً فكفاك تيهاً، فإن الناس ملت الانتظار بين من يخبرها ومن يختبرها.