فلسفة العشق في لا غربة
اشرف نصير
لا غرابه
كان في جيب الفتى عود ثقاب....
وعلى اسوارها الغابات تمشي...
غابةٌ تحسدُ غابه
لا غرابه...
ضفة النهرِ زوارق...
وشباك الغير تصطاد السمك...
نهضَ النهرُ على اكتافهِ طينٌ وماء
والسماءُ سمحت للغيمِ ان يذرفَ دمعه...
هكذا كان اللقاء...
بين ماءِ النهرِ والطينِ وامطار السماء....
لا غرابه..
انما العاشقُ والمعشوقُ ماء....
وبكى عودالثقاب....
حينما ابتلَّ اصابته الكآبه...
لاغرابه..
هكذا الماءالعظيم...
.
من حريقٍ موجعٍ انقذ غابه!!!
محمد المحاويلي
فلسفة العشق والإنقاذ: قراءة تأملية في رائعة الشاعر الكبير "محمد المحاويلي (أبو نصير)"
تتجسد في قصائد الشاعر العراقي القدير محمد المحاويلي (أبو نصير) بلاغةُ الوصف وعمق الدلالة الإنسانية، وحين يقف القارئ أمام نصه العذب المعنون بالتلقائية "لا غرابه"، فإنه لا يطالع مجرد أبيات تتغزل بالطبيعة، بل يغوص في ملحمة فلسفية مصغرة عن التضحية، والحب، وقدرة الأقدار على إعادة صياغة المفاهيم.
1. عتبة البداية: عالم من المفارقات
يبدأ النص بعبارة متكررة تتأرجح بين الدهشة والتسليم: "لا غرابه...". يمهد بها الشاعر لعالم تذوب فيه الحدود المألوفة؛ فالغابات على الأسوار تمشي وكأنها كائنات حية يتحرك فيها الشوق والحسد (غابةٌ تحسدُ غابه)، بينما تتقاطع مسارات الحياة على ضفة النهر حيث تتوزع الأدوار بين زوارق تسير وشباك غيرٍ تصطاد.
2. مشهد التكوين والميلاد
ينتقل الشاعر بعد ذلك إلى مشهد عظيم يجمع عناصر الطبيعة الخالدة:
* "نهضَ النهرُ على اكتافهِ طينٌ وماء"
* "والسماءُ سمحت للغيمِ ان يذرفَ دمعه..."
هكذا يُرسم مشهد اللقاء الأوليّ بين ماء النهر، والطين، وأمطار السماء؛ تلاحمٌ يفضي إلى حقيقة مطلقة يختزلها الشاعر بعبقرية مذهلة: "انما العاشقُ والمعشوقُ ماء". فالحب الحقيقي ليس تصادماً، بل هو اتحاد في الجوهر والصفاء.
3. ذروة النص: بكاء عود الثقاب وحكمة الابتلاء
في قلب النص، تبرز المفارقة الأكثر إيلاماً وجمالاً؛ ذلك الفتى الذي يحمل في جيبه عود ثقابٍ صغير.
حين يبتلُّ العود بفعل الأمطار والماء العظيم، تصيبه الكآبة ويبكي حزناً على فقدان طاقته وقدرته الكامنة على الإحراق. يبدو الابتلال في ظاهره هزيمةً ونقصاناً، لكن الخاتمة تأتي لتقلب الموازين وتكشف الحقيقة الكبرى:
> "هكذا الماءالعظيم...
> من حريقٍ موجعٍ انقذ غابه!!!"
>
الخلاصة الإنسانية والرمزية
يُعلمنا الشاعر أبو نصير من خلال هذه اللحظة الخالدة أن الأقدار أحياناً توجّه إلينا "الماء" أو "الابتلاء" ليطفئ فينا نيراناً قد تبدو في ظاهرها قوة، لكنها في باطنها مهلكة. ذلك العود الذي بكى ابتلاله، لم يكن يعلم أن رطوبته كانت هي السبيل الخفيّ لإنقاذ غابة كاملة من كارثة حريق محقق.
إنها دعوة للتسليم بحكمة الحياة، وإدراكٍ عميق بأن ما نظنه حرماناً أو كسراً، قد يكون في ميزان الحكمة طوق نجاةٍ لشيءٍ أعظم.
* ناقد ادبي