الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جيل الهاتف الذكي

← بواسطة azzaman

جيل الهاتف الذكي

محمد كاظم الفاضلي

 

لا تكمن أهمية التظاهرات التي تشهدها فرنسا في حجمها أو مطالبها المباشرة فحسب، بل في طبيعة الجيل الذي يشارك فيها، والأدوات التي يستخدمها للتعبير عن غضبه. نحن أمام جيل نشأ في عالم رقمي، يحمل هاتفه الذكي إلى الشارع، ويوثق الأحداث لحظة وقوعها، وينقلها إلى ملايين المتابعين، محولاً الاحتجاج المحلي إلى قضية تتجاوز الحدود.

ينتمي هؤلاء الشباب، في معظمهم، إلى جيل "زد" الذي جاء بعد جيل الألفية، لكن ما يجمعهما هو نشأتهما في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا الرقمية جزءاً من الحياة اليومية، ووسيلة للتعبير عن الرأي ومساءلة السلطة ومراقبة الأحداث.

وإذا كانت هذه التظاهرات تطرح أسئلة بشأن مستقبل العلاقة بين الشباب والمؤسسات السياسية في فرنسا، فإنها تفتح أمامنا نافذة للتأمل في العراق أيضاً، حيث يمتلك الشباب الأدوات الرقمية ذاتها، لكنهم يعيشون في ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية مختلفة.

في العراق، لا يحتاج الشاب إلى كثير من الشرح كي يفهم معنى القلق من المستقبل، أو صعوبة الحصول على فرصة عمل، أو الشعور بالفجوة بين الوعود السياسية والواقع اليومي ، فهذه قضايا حاضرة في النقاش العام، وإن اختلفت حدتها وتجارب الأفراد معها.

لكن السؤال ليس ما إذا كان الشباب العراقي سيكرر التجربة الفرنسية، بل كيف يعبر عن مطالبه، وما الدور الذي تؤديه المنصات الرقمية في تشكيل وعيه، وهل تتحول هذه المنصات إلى مساحة للنقاش والمساءلة والمشاركة، أم تبقى في كثير من الأحيان مجالاً لتبادل الغضب والتجاذبات السياسية.

لقد غيّر الهاتف الذكي علاقة المواطن بالمعلومة. فالشاب العراقي يستطيع تصوير مشكلة خدمية، أو نشر شكوى، أو توثيق واقعة، والوصول بها إلى جمهور واسع خلال دقائق ، غير أن القدرة على نشر المشكلة لا تعني بالضرورة القدرة على حلها، كما أن انتشار مقطع مصور لا يضمن استجابة المؤسسات المعنية.

وهنا تظهر الفجوة بين التعبير الرقمي والتأثير الفعلي. فقد يتحول الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي إلى نقاش عام، لكنه قد ينتهي أيضاً بانحسار الاهتمام وانتقال الجمهور إلى قضية أخرى، من دون أن تتحول المطالب إلى متابعة مستمرة أو مساءلة مؤسسية.

ولا ينبغي أن نفترض أن الشباب العراقي والفرنسي يتحركون بدوافع متطابقة؛ فلكل مجتمع ظروفه السياسية وتاريخه الاحتجاجي وطبيعةز علاقته بالدولة. لكن التجربة الأوروبية تذكّرنا بأن تشابه بعض التحديات المعيشية، وانتشار التكنولوجيا الرقمية، قد يمنحان الأجيال الجديدة لغة مشتركة للتعبير عن مخاوفها وتطلعاتها.

أما الإعلام العراقي، فتقع عليه مسؤولية تتجاوز نقل مشاهد الاحتجاج أو تضخيم المواجهات. فدوره أن يفسر أسباب الغضب، ويمنح الشباب مساحة للتعبير عن مطالبهم، ويتابع ما يتحقق منها، بعيداً عن تحويل قضاياهم إلى مادة للمنافسة السياسية أو الإثارة الإعلامية.

إن القضية، في العراق وفرنسا، ليست في امتلاك الشباب هواتف ذكية أو قدرتهم على إيصال أصواتهم إلى العالم، بل في مدى استعداد المؤسسات للاستماع إليهم والتعامل مع مطالبهم بجدية.

قد يختلف الشارع العراقي عن الشارع الفرنسي في أسبابه وشعاراته، لكن السؤال الذي يجمعهما هو: ماذا يفعل الشباب حين يمتلكون القدرة على التعبير عن غضبهم، ولا يجدون بالقدر نفسه قدرة على التأثير في واقعهم؟

ربما لا يكون الدرس الذي ينبغي للعراق استخلاصه هو انتظار انتقال الاحتجاجات من أوروبا، بل إدراك أن الاستقرار لا يتحقق بالصمت، وأن الثقة بالمؤسسات لا تُبنى بالخطابات وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل مطالب المواطنين إلى نتائج ملموسة.

فجيل الهاتف الذكي لا يريد أن يكون مجرد جمهور يشاهد القرارات ويتفاعل معها على الشاشة؛ إنه يريد أن يشعر بأن له مكاناً في صناعة مستقبله. وهذه، في النهاية، ليست قضية تكنولوجيا، بل قضية مشاركة وثقة وعدالة.


مشاهدات 213
الكاتب محمد كاظم الفاضلي
أضيف 2026/10/26 - 2:59 PM
آخر تحديث 2026/10/28 - 2:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 232 الشهر 56059 الكلي 16641228
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير