الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جيلٌ على أرصفة الضياع.. حين تتراجع المدارس وتتقدّم الشوارع

← بواسطة azzaman

جيلٌ على أرصفة الضياع.. حين تتراجع المدارس وتتقدّم الشوارع

كامل الشرقي

 

ليست الكارثة أن نرى طفلًا يمد يده إلى المارة طلبًا للمال، أو آخر يقف تحت لهيب الشمس يبيع قناني الماء عند إشارات المرور، أو ثالثًا يحمل هموم الحياة على كتفيه الصغيرتين بدلًا من أن يحمل حقيبته المدرسية؛ الكارثة الحقيقية أن نعتاد هذه المشاهد، وأن تصبح جزءًا مألوفًا من يومياتنا، فلا توقظ فينا ضميرًا، ولا تحرّك فينا مسؤولًا، ولا تدفع مجتمعنا إلى التساؤل: إلى أين نمضي، وأي مستقبل نصنع لأطفالنا؟

إن تفشي الأمية، وتسرب الأطفال من المدارس، واضطرارهم إلى التسول أو العمل في الشوارع، ليست ظواهر عابرة يمكن التعامل معها بوصفها مشكلات اجتماعية هامشية، بل هي مؤشرات خطيرة على خلل عميق في بنية المجتمع، وفي أولوياته، وفي قدرته على حماية أضعف فئاته. فالطفل الذي يُحرم من التعليم اليوم قد يجد نفسه غدًا محاصرًا بالفقر والجهل ومحدودية الفرص، داخل دائرة مغلقة يتوارثها الأبناء عن الآباء، ويزداد كسرها صعوبة كلما تأخر التدخل.

استعادة احداث

والمؤلم أن هذه المشاهد تتزامن مع انشغال قطاعات من المجتمع باستعادة أحداث تاريخية ودينية وطائفية مضت عليها قرون طويلة، وكأن استذكار الماضي، مهما بلغت أهميته، يمكن أن يكون بديلًا عن بناء الحاضر وصناعة المستقبل. وليس الاعتراض هنا على الدين أو التاريخ أو الذاكرة الجماعية، فهذه عناصر أصيلة في هوية الشعوب، وإنما الاعتراض على أن تتحول إلى مادة للتعصب والانقسام والتنافس، بينما يُترك الطفل في الشارع، وتُترك المدرسة تعاني، ويُترك الجهل يتسلل إلى عقول الأجيال بصمت.

أي مفارقة أكثر إيلامًا من أن نحفظ تفاصيل أحداث وقعت قبل مئات السنين، ثم نعجز عن معرفة عدد الأطفال الذين غادروا مقاعد الدراسة هذا العام؟ وأن نختلف طويلًا حول وقائع الماضي، فيما نعجز عن الاتفاق على حق الطفل في كتاب ومدرسة ووجبة كريمة ومستقبل آمن؟ وأي قيمة لذاكرة تاريخية حية إذا كانت ذاكرتنا الاجتماعية عاجزة عن رؤية طفل يقف على قارعة الطريق، يبيع الماء ليعين أسرته، أو يتسول لأنه لم يجد من يحمي حقه في التعليم؟

إن الخطر لا يكمن في طفل يبيع قنينة ماء فحسب، بل في مجتمع قد يعتاد رؤية الطفولة تُستنزف أمام عينيه من دون أن يتحرك. فهؤلاء الأطفال ليسوا أرقامًا في تقارير إحصائية، ولا مشاهد عابرة في نشرات الأخبار؛ إنهم عقول كان يمكن أن تصبح عقول أطباء ومهندسين ومعلمين وباحثين، ومواهب كان يمكن أن ترفد الوطن بالإبداع، وأحلام كان يمكن أن تسهم في إضاءة مستقبله. لكن حين تُغلق أمامهم أبواب المدارس، أو تعجز أسرهم عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، يصبح الشارع بديلًا قاسيًا عن الصف، وتغدو لقمة العيش منافسًا شرسًا للكتاب والقلم. ولا يجوز أن نحمّل الأطفال أو أسرهم وحدهم مسؤولية هذه المأساة؛ فالفقر والبطالة وضعف شبكات الحماية الاجتماعية وتراجع البيئة التعليمية، كلها عوامل قد تدفع الأسرة إلى التضحية بتعليم أبنائها من أجل البقاء. وهنا تقع المسؤولية على عاتق الدولة ومؤسساتها، إلى جانب المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والدينية، لتتكاتف هذه الجهات في مواجهة الكارثة، لا بالاكتفاء بتشخيصها وإلقاء اللوم، بل بوضع حلول عملية تبدأ بإعادة الأطفال المتسربين إلى المدارس، وتقديم الدعم للأسر الفقيرة، ومكافحة استغلال الأطفال في العمل والتسول، وتحسين جودة التعليم، ومحاسبة الجهات المقصرة.

إن بناء الأوطان لا يتحقق بالشعارات وحدها، ولا بكثرة الاحتفالات والمناسبات، ولا بالانتصار في سجالات الماضي، وإنما يبدأ من المدرسة، ومن كتاب يصل إلى يد طفل، ومن معلم يؤدي رسالته بكرامة، ومن أسرة لا تضطر إلى إرسال أبنائها إلى الشوارع بحثًا عن قوت يومها. فالتعليم ليس ترفًا يمكن تأجيله، بل هو حق أساسي وركيزة للاستقرار والتقدم، ومن دونه يصبح الحديث عن التنمية والنهضة مجرد كلمات معلقة في الهواء.

ابسط الحقوق

وإذا استمر هذا النزيف، فماذا نتوقع من جيل حُرم من أبسط حقوقه، ولم تتح له فرصة اكتشاف قدراته أو تنمية وعيه؟ وكيف نطالبه غدًا بالمشاركة في بناء دولة حديثة، وهو لم يجد اليوم مدرسة تحتضنه، أو مجتمعًا ينصفه، أو مسؤولًا يشعر بمعاناته؟ لا نستطيع التنبؤ بمستقبل كل طفل، لكننا نستطيع أن ندرك أن حرمان أعداد متزايدة من الأطفال من التعليم يضعف قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة، ويزيد مخاطر الفقر والتهميش والاستغلال.

إن السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس: أي جيل سيأتي بعد حين؟ بل: ماذا فعلنا نحن كي لا يأتي جيل محروم من المعرفة والفرص؟

فالأجيال لا تولد جاهلة، ولا تُحرم من الثقافة بإرادتها؛ إنها تتشكل وفق ما نوفره لها من تعليم ورعاية وعدالة وفرص. وإذا أردنا جيلًا واعيًا، فعلينا أن نمنحه مدرسة لا شارعًا، وكتابًا لا عبئًا يفوق عمره، وفرصة للحلم لا معركة يومية من أجل البقاء.

إن أخطر ما يمكن أن نخلفه وراءنا ليس خلافًا سياسيًا أو انقسامًا طائفيًا، بل جيلًا يشعر بأن المجتمع قد تخلى عنه، وأن مستقبله لم يكن يومًا ضمن أولويات الكبار. فالأمم التي تهمل أطفالها اليوم ستدفع غدًا ثمن إهمالها من استقرارها وتقدمها ووحدتها. فلنختلف في قراءة التاريخ كما نشاء، ولنتنوع في معتقداتنا وانتماءاتنا كما نشاء، لكن لنتفق أولًا على أن الطفل الذي يبيع الماء في الشارع أحق باهتمامنا من كل سجال لا يطعمه علمًا ولا يمنحه مستقبلًا، وأن إنقاذ طفل من الأمية ليس مجرد عمل إنساني، بل هو إنقاذ لجزء من مستقبل الوطن.

فحين تصبح الشوارع مدارس الفقراء، ويصبح التسول بديلًا عن التعليم، لا نكون أمام أزمة أطفال فحسب، بل أمام امتحان أخلاقي وحضاري لمجتمع بأكمله. والجيل القادم لن يسألنا فقط عما ورثناه من التاريخ، بل عما فعلناه حين كان أطفاله يبيعون طفولتهم على الأرصفة


مشاهدات 19
الكاتب كامل الشرقي
أضيف 2026/10/19 - 2:40 PM
آخر تحديث 2026/10/20 - 1:29 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 168 الشهر 37833 الكلي 16623002
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير