الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق اليوم.. دولة غنية تتسع فيها دائرة الأزمات

← بواسطة azzaman

العراق اليوم.. دولة غنية تتسع فيها دائرة الأزمات

 

قابل الجبوري

 

(تحقيق استقصائي في المشهد السياسي والاقتصادي والخدمي والاجتماعي)

 

العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فبينما يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، ويحقق موارد ضخمة من تصدير النفط، يعيش المواطن العراقي في مواجهة يومية مع أسئلة الرواتب، والأسعار، والكهرباء، والسكن، وفرص العمل، وتوقف المشاريع، وتراجع القدرة الشرائية.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: هل يمتلك العراق المال؟ بل: أين تذهب ثروة العراق، ولماذا لا تتحول هذه الثروة إلى حياة أفضل للمواطن؟

أولاً: اقتصاد يعتمد على النفط.. ومجتمع يدفع الثمن

تكشف بيانات تنفيذ الموازنة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 عن حجم الاختلال المالي؛ فقد بلغ العجز نحو 26.3 تريليون دينار، فيما شكّل النفط قرابة 78% من الإيرادات الحكومية. وهذا يعني أن الاقتصاد العراقي ما زال شديد الحساسية تجاه أسعار النفط وتصديره وأي أزمة إقليمية تؤثر في حركة الطاقة.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: العراق لا يعاني من غياب الموارد، وإنما من ضعف تنويع مصادر الدخل.

فالزراعة والصناعة والسياحة والاستثمار والقطاع الخاص ما زالت غير قادرة على إنتاج اقتصاد يوازي حجم الثروة البشرية والطبيعية في البلاد.

وبالتالي، كلما تراجع النفط أو اضطرب تصديره، انتقلت الأزمة مباشرة إلى الموازنة، ومن الموازنة إلى المشاريع، ومن المشاريع إلى سوق العمل، ومن سوق العمل إلى الأسرة العراقية.

ثانياً: الموازنة.. أكثر من مجرد أرقام

تأخر إقرار الموازنة لم يعد قضية مالية داخل البرلمان والحكومة فقط، بل أصبح قضية تمس حياة المواطن بصورة مباشرة.

فالتقارير تشير إلى توقف أو تعثر مشاريع، وتأخر تعيينات، وضغوط على الإنفاق، وتأثيرات في قطاعات الخدمات والبنية التحتية.

وهنا ينبغي طرح سؤال استقصائي واضح:

هل أصبحت الموازنة في العراق أداة لإدارة الأزمات بدلاً من أن تكون أداة لبناء المستقبل؟

الموازنة الناجحة ليست رواتب ومخصصات فقط؛ إنها خطة لإنتاج الكهرباء، وبناء المدارس والمستشفيات، وتطوير الزراعة والصناعة، وتوفير فرص العمل، وحماية الطبقات الفقيرة، وإطلاق المشاريع التي تنتج دخلاً مستداماً للدولة.

ثالثاً: المواطن بين الراتب وارتفاع الأسعار

الاقتصاد لا يُقاس فقط بأرقام الإيرادات والنفقات، بل بما يستطيع المواطن شراءه براتبه.

وفي أكتوبر 2026، تعرض الدينار لضغوط مالية أدت، بحسب تقييمات حديثة، إلى خفض قيمته، مع مخاوف من ارتفاع تكاليف الاستيراد وأسعار الغذاء والوقود وتراجع القوة الشرائية، خصوصاً لدى أصحاب الدخول المحدودة.

وهنا تظهر مفارقة عراقية مؤلمة:

الموظف قد يحصل على راتبه في موعده، لكنه يكتشف أن قيمة هذا الراتب تتراجع أمام السوق.

وبذلك لا تصبح المشكلة في الراتب وحده، وإنما في العلاقة بين الدخل والأسعار.

رابعاً: الكهرباء.. الأزمة التي لم تجد حلاً جذرياً

رغم مرور سنوات طويلة على سقوط النظام السابق، ما زالت الكهرباء واحدة من أكثر الملفات حساسية في حياة العراقيين.

وفي عام 2026 عادت أزمة الطاقة لتظهر بقوة مع التطورات الإقليمية واضطراب صادرات النفط ومخاوف نقص الطاقة. كما شهدت محافظات عراقية احتجاجات مرتبطة بالتعرفة الكهربائية وفرص العمل وحقوق العاملين في قطاع الطاقة.

والأخطر أن المواطن يدفع فاتورتين:

فاتورة للدولة، وفاتورة للمولدة الأهلية.

وهذا يعني أن أزمة الكهرباء أصبحت عبئاً اقتصادياً واجتماعياً يتجاوز انقطاع التيار نفسه.

خامساً: الاحتجاج.. هل ما زال صوت الشارع مسموعاً؟

منذ احتجاجات تشرين، أصبح الشارع العراقي لاعباً مهماً في المشهد السياسي والاجتماعي.

لكن السؤال اليوم أكثر تعقيداً:

هل ما زال الاحتجاج قادراً على صناعة التغيير؟

تشير تقارير حديثة إلى استمرار موجات الاحتجاج في بغداد ومحافظات أخرى، خصوصاً من الخريجين وموظفي العقود والعاملين في قطاعات صحية وخدمية، مع تكرار المطالب المتعلقة بالتعيين والتثبيت وتحسين الحقوق المهنية.

وهذا يكشف أن أسباب الاحتجاج لم تختفِ، وإنما تغيرت أشكالها.

فالشاب العراقي لا يطالب دائماً بشعار سياسي كبير؛ أحياناً يطالب بوظيفة، أو راتب، أو تثبيت عقد، أو فرصة عادلة للحياة.

سادساً: الفساد.. المشكلة التي تتجاوز سرقة المال

اختزال الفساد في سرقة المال العام فقط قد يكون تبسيطاً للمشكلة.

فالفساد يمكن أن يظهر في مشروع متلكئ، أو عقد غير منتج، أو تعيين غير عادل، أو واسطة تحرم صاحب الكفاءة من حقه، أو قرار إداري يُتخذ لمصلحة فرد أو جهة.

وهنا يصبح الفساد أكثر خطورة عندما يتحول من ممارسة فردية إلى ثقافة مؤسسية.

فالدولة لا تخسر الأموال فقط، وإنما تخسر ثقة المواطن.

والدولة التي يفقد المواطن ثقته بمؤسساتها تواجه مشكلة أعمق من العجز المالي؛ إنها تواجه عجزاً في الثقة.

سابعاً: البطالة والسكن.. أزمة جيل كامل

العراق بلد شاب، لكن الشباب يواجهون سوق عمل محدوداً، بينما يبقى القطاع الحكومي هو الحلم الأكبر لدى أعداد واسعة من الخريجين.

وهذا الوضع غير قابل للاستمرار إلى ما لا نهاية.

فالدولة لا تستطيع توظيف جميع الشباب، وفي الوقت نفسه لا يمكن تركهم بلا بدائل.

الحل الحقيقي يبدأ من بناء قطاع خاص قوي، وحماية المستثمر الجاد، وتطوير الصناعة والزراعة والسياحة، وتوفير قروض منتجة، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل.

أما السكن، فهو أزمة أخرى؛ فارتفاع أسعار الأراضي والعقارات والإيجارات يجعل امتلاك منزل حلماً بعيداً بالنسبة إلى شرائح واسعة من العراقيين.

ثامناً: الصحة والتعليم والخدمات.. المواطن يريد دولة تُرى في حياته اليومية

قد يقرأ المواطن أرقاماً عن الموازنات والمشاريع، لكنه في النهاية يحكم على الدولة من خلال المدرسة التي يرسل إليها أبناءه، والمستشفى الذي يراجع فيه، والشارع الذي يسلكه، والماء الذي يصل إلى منزله، والكهرباء التي تضيء بيته.

لهذا فإن نجاح الدولة لا ينبغي أن يقاس بعدد المؤتمرات أو التصريحات، وإنما بمقدار التحسن الحقيقي في حياة الناس.

تاسعاً: العراق وسط إقليم مضطرب

لا يعيش العراق في جزيرة معزولة.

فالأزمات الإقليمية، والحروب والصراعات حوله، وأمن الطاقة، وحركة التجارة، وأسعار النفط، كلها تنعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد العراقي.

وقد كشفت تطورات عام 2026 مدى هشاشة بعض مفاصل الاقتصاد أمام الاضطرابات الإقليمية، ولا سيما عندما تتأثر صادرات النفط أو ترتفع تكاليف الاستيراد والطاقة.

وهنا يصبح الاستقرار السياسي والاقتصادي العراقي جزءاً من الأمن الوطني، وليس مجرد ملف حكومي.

عاشراً: السؤال الأخطر.. إلى أين يتجه العراق؟

البنك الدولي يتوقع انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 12.4% خلال عام 2026 في ظل الصدمات المرتبطة بالصراع الإقليمي وتعطل إنتاج وصادرات النفط، مع اتساع العجزين المالي والخارجي وتراجع الاحتياطيات.

هذه الأرقام لا تعني أن العراق ذاهب حتماً إلى الانهيار، لكنها تعني أن استمرار الأسلوب نفسه في إدارة الاقتصاد يحمل مخاطر كبيرة.

العراق يمتلك الموارد اللازمة للنهوض، لكنه يحتاج إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد على توزيع الريع إلى اقتصاد ينتج الثروة.

ويحتاج كذلك إلى دولة مؤسسات، ومكافحة فعلية للفساد، وإدارة أكثر كفاءة للمال العام، وإعادة الاعتبار للقطاع الخاص، وحماية المنتج الوطني، وتحسين الخدمات، وربط الإنفاق الحكومي بمشاريع ذات مردود اقتصادي واجتماعي.

الخلاصة: المشكلة ليست في العراق.. بل في طريقة إدارة العراق

العراق ليس بلداً فقيراً.

إنه بلد يمتلك النفط، والمياه، والأراضي الزراعية، والموقع الجغرافي، والثروة البشرية، والتاريخ، والإمكانات السياحية، والأسواق، ورأس المال البشري.

لكن الثروة وحدها لا تبني دولة.

الدولة تُبنى عندما تتحول الثروة إلى مدرسة جيدة، ومستشفى محترم، وكهرباء مستقرة، وسكن مناسب، وفرصة عمل، وشارع نظيف، وقانون عادل، ومؤسسة تحترم المواطن.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس:

كم يملك العراق من الأموال؟

بل:

كم استفاد المواطن العراقي من هذه الأموال؟

وهنا تبدأ مسؤولية الحكومة والبرلمان والقوى السياسية والمؤسسات الرقابية، لكن المسؤولية الأكبر تقع على الجميع في بناء دولة لا يكون فيها المواطن مجرد رقم في سجل الرواتب، ولا صوتاً انتخابياً موسمياً، ولا متظاهراً لا يُسمع صوته إلا عند اشتداد الأزمة.

العراق يحتاج اليوم إلى مشروع دولة، لا إلى إدارة مؤقتة للأزمات.

 

 


مشاهدات 287
الكاتب قابل الجبوري
أضيف 2026/10/26 - 2:58 PM
آخر تحديث 2026/10/28 - 1:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 232 الشهر 56059 الكلي 16641228
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير