العراق بين لا حرب ولا سلم
كامل كريم الدليمي
يعيش العراق اليوم حالةً من القلق السياسي والأمني والاقتصادي، في ظل مشهد إقليمي ودولي مضطرب، وضغوطٍ متزايدة تضع الحكومة أمام مسؤولية تاريخية في حماية البلاد وتجنيبها تداعيات صراعات لا مصلحة للعراقيين في أن يكونوا طرفًا فيها.
فالعراق يقف في منطقة رمادية؛ لا هو في حالة حرب، ولا هو في حالة سلم مستقر. وهذا الوضع بحد ذاته يمثل خطرًا، لأن استمرار القلق ينعكس على المواطن، وعلى الاقتصاد، وعلى حركة الاستثمار، وعلى ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها.
سياسة رد الفعل
وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي أن تنتظر الحكومة ما ستؤول إليه الأحداث، بل عليها أن تنتقل من سياسة ردّ الفعل إلى سياسة المبادرة والتحرك الاستباقي.
أول ما تحتاجه الحكومة هو بناء جبهة داخلية متماسكة، ليس على أساس المواقف الحزبية أو الطائفية أو القومية، وإنما على أساس المصلحة الوطنية العليا. فالمواطن قد يختلف في تقديره للمشهد الإقليمي والدولي، وهذا حقه، لكن مسؤولية الدولة أن تقدر المخاطر وأن تتخذ القرار الذي يحمي أمن العراق وشعبه.
ولتحقيق التفاف شعبي حقيقي حول الدولة، يجب أن تكون الحكومة واضحة مع شعبها، وأن تصارحه بحقيقة الوضع، وأن تقدم له المعلومات الموثوقة بعيدًا عن التهويل أو التطمين غير الواقعي. كما أن عليها أن تؤكد أن أمن المواطن وسيادة العراق واستقرار الاقتصاد هي خطوط حمراء لا تخضع للمساومات.
أما على المستوى الخارجي، فعلى العراق أن يؤكد لجميع الأطراف أن أراضيه لن تكون ساحةً لتصفية الحسابات، ولا ممرًا للحرب، ولا جزءًا من أي محور صراع. وأن علاقاته مع دول الجوار والمجتمع الدولي يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشأن العراقي.
كما ينبغي للحكومة أن تتحرك دبلوماسيًا، وبصوت عراقي موحد، لشرح موقفها إلى جميع الأطراف، وأن تستثمر موقع العراق الجغرافي والسياسي ليكون جسرًا للحوار لا ساحةً للصراع.
وفي الداخل، تحتاج الدولة إلى إجراءات عملية عاجلة: تعزيز جاهزية الأجهزة الأمنية، حماية المنشآت الحيوية، تأمين الحدود، حماية الاقتصاد والأسواق، وضع خطط للطوارئ، ومراجعة أوضاع الطاقة والغذاء والدواء والموارد المالية، حتى لا يتحول أي تصعيد خارجي إلى أزمة داخلية تهز حياة المواطن.
والأهم من ذلك كله أن تتوحد مؤسسات الدولة في موقفها؛ فلا يمكن للعراق أن يواجه الضغوط الخارجية بقرارات متناقضة أو رسائل متعددة.
قرار دولة
قرار الحرب والسلم والسياسة الخارجية والأمن الوطني يجب أن يبقى قرار الدولة ومؤسساتها الدستورية، لا قرار الأفراد أو الجماعات.
إن العراق لا يحتاج اليوم إلى الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، وإنما يحتاج إلى الاصطفاف مع العراق نفسه.
فالمرحلة لا تحتمل المزايدات، ولا تحتمل الانقسام، ولا تحتمل أن تتحول الخلافات الداخلية إلى ثغرات تستغلها الأطراف الخارجية.
إن أفضل وسيلة للخروج من حالة «لا حرب ولا سلم» هي أن يمتلك العراق قرارًا وطنيًا واضحًا، وموقفًا حكوميًا موحدًا، وجبهة داخلية متماسكة، ودبلوماسية نشطة، واقتصادًا قادرًا على الصمود.
وعندما يشعر المواطن أن الدولة تحميه، وتصون سيادته، وتصارحه، وتدافع عن مصالحه، فإن الالتفاف حولها يصبح نتيجة طبيعية.
العراق اليوم أمام اختبار حقيقي:
إما أن يبقى ساحةً تنتظر ما يقرره الآخرون، أو يتحول إلى دولة تقرر ما تريده وفق مصالح شعبها.
والتاريخ لا يرحم الدول التي تتردد في اللحظات الفاصلة؛ لذلك فإن المطلوب من الحكومة اليوم ليس فقط إدارة الأزمة، وإنما صناعة موقف عراقي يمنع الحرب، ويحفظ السلم، ويصون السيادة، ويضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار.