هدّموا المبنى لكي يحموا المواطن
شوقي كريم حسن
بغداد لا تهدم مبانيها التراثية… إنها تنتظرها حتى تهدم نفسها، ثم تتدخل لحماية المواطنين!
هناك طريقة عراقية مبتكرة في التعامل مع التراث:
اترك المبنى سنوات يتشقق، ثم اتركه سنوات أخرى يتداعى، ثم انتظر حتى يسقط جزء منه، وبعدها اجتمعوا جميعاً لإنقاذ المواطن من الجزء الذي أبقيتموه يسقط أمام أعينكم. وهذا بالضبط ما يحدث الآن في مبنى «الذهب الأسود» في ساحة الميدان.
المبنى الذي كان يضم مرافق ارتبطت بذاكرة بغداد، ومنها مسرح الهلال الذي غنت فيه أم كلثوم عام 1935، والخانات المطلة على سوق الهرج، لم يعد ـ على ما يبدو ـ يستحق الإنقاذ. لقد تهالكت الواجهة.
ثم تصدعت. ثم انهارت في عام 2022.
وقبل ذلك كله كانت هناك سنوات من التنبيه والنداءات والمطالبات بمعالجة الخطر.
امور اكثر اهمية
لكن بغداد، في تلك السنوات، كانت منشغلة على ما يبدو بأمور أكثر أهمية من مبنى عمره وذاكرته.
والآن، بعد أن وصل المبنى إلى ما وصل إليه، جاءت لحظة البطولة:
اهدموه!
ليس لأننا أهملناه.
بل لأننا نخشى على المواطن منه.
يا لها من نهاية عادلة!
المبنى الذي كان ينبغي أن نحميه من السقوط، أصبح فجأة شيئاً ينبغي أن نحمي المواطن منه.
وهكذا تتحول الجريمة الإدارية ـ إن صح التعبير ـ إلى خدمة عامة.
وتتحول سنوات الإهمال إلى مبرر للهدم.
وتتحول كلمة «الترميم» إلى كلمة متأخرة جداً، بينما تصبح الجرافة هي الحل الأسرع.
والأكثر إثارة للسخرية أن اليافطة التي وضعتها أمانة بغداد أمام المبنى لا تكتفي بإخبارنا بأن الهدم سيتم، بل تسرد لنا أسماء الجهات التي وافقت عليه.
عدد كبير من المؤسسات والدوائر.
كأننا أمام عملية جماعية لتوزيع المسؤولية. وكأن الرسالة الخفية تقول: لا تبحثوا عن يد واحدة هدمت المبنى… فالأيادي كثيرة!
وإذا سأل أحد: من المسؤول؟
تأتيه الإجابة جاهزة: الجميع.
وحين يكون الجميع مسؤولاً، يصبح من الصعب جداً أن يكون أحد مسؤولاً. وهذه واحدة من أجمل اختراعات البيروقراطية.
أما الوعد بإعادة بناء المبنى وفق طرازه المعماري الخاص، فهو يحتاج إلى وقفة أخرى.
لأن المبنى التراثي ليس مجرد واجهة يمكن تصويرها، ثم إعادة تركيبها على مبنى جديد.
التراث ليس «ستايل» معمارياً.
ليس لوناً للطابوق.
ليس أقواساً ونوافذ وشرفات يمكن تقليدها.
المبنى التراثي هو مادته، وعمره، وتفاصيله، وأثر الزمن عليه، وما جرى داخله وحوله.
حين نهدمه ثم نبني نسخة تشبهه، فنحن لا نعيد المبنى.
نحن نبني ذكراه.
والذاكرة، مهما كانت جميلة، ليست الأصل.
معالجة الامر
كان يمكن معالجة الأمر قبل أن يصل إلى هذه المرحلة.
كان يمكن التدخل حين بدأت التشققات.
كان يمكن ترميمه حين ظهرت علامات الخطر.
كان يمكن إنقاذه قبل أن يصبح إنقاذه مكلفاً أو معقداً.
لكن سنوات مرت.
ثم سنوات أخرى.
ثم جاء السقوط.
ثم جاء الخوف على المواطن.
ثم جاءت الجرافة.
كم هو غريب هذا الترتيب!
نحن لا نمنع الكارثة.
نحن ننتظرها، ثم نتصرف بسرعة مذهلة لمنع تكرارها.
وهكذا يصبح الخراب نفسه موظفاً عندنا.
كلما تُرك مبنى حتى يتهالك، صار هدمه أكثر «منطقية».
وكلما تأخر الترميم، صار الهدم أكثر «ضرورة».
وكلما أصبح الهدم ضرورة، أصبح السؤال عن سبب التأخير أكثر إزعاجاً.
لذلك دعونا نسأل السؤال الذي لا يبدو أنه يجد مكاناً على اليافطات:
لماذا تُرك المبنى كل هذه السنوات؟
ومن المسؤول عن عدم صيانته حين كان قابلاً للصيانة؟
ومن المسؤول عن ترك التشققات تكبر؟
ومن المسؤول عن انهيار الواجهة؟
ومن المسؤول عن تحويل مبنى يمكن إنقاذه إلى مبنى يُقال لنا اليوم إن بقاءه خطر على المواطنين؟
هذه ليست أسئلة عن طابوقة تسقط.
هذه أسئلة عن طريقة تعاملنا مع بغداد نفسها.
لأن الخوف الحقيقي ليس على «الذهب الأسود» وحده.
الخوف على بغداد التي يمكن أن تستيقظ ذات صباح فتكتشف أن مبنى آخر اختفى.
ثم يقال لنا:
كان آيلاً للسقوط.
وبعده مبنى آخر:
كان خطراً على المواطنين.
وبعده ثالث:
كان لابد من تطوير المنطقة.
ثم يأتي اليوم الذي نبحث فيه عن بغداد القديمة فلا نجد إلا صوراً لها.
صوراً جميلة جداً.
نظيفة جداً.
ومؤطرة جيداً.
لكنها، للأسف، لا تسكنها أم كلثوم، ولا يعبرها أهل سوق الهرج، ولا يعرفها أحد من الذين عاشوا فيها.
هل يمكن أن تكون هذه هي الطريقة التي نخسر بها مدينة؟
ليس بحرب.
ولا بزلزال.
بل بالتأجيل.
ثم الإهمال.
ثم التصدع.
ثم الانهيار.
ثم لجنة.
ثم موافقة.
ثم جرافة.
ثم حجر جديد يشبه الحجر القديم.
ثم لوحة تقول:
«تم الحفاظ على الطراز التراثي للمبنى».
يا بغداد…
أيها المواطن الذي جرى إنقاذه من مبناك القديم…
لا تصفقوا كثيراً.
فربما يأتي الدور غداً على مبنى آخر. وربما لا تكون الجرافة هذه المرة أمامنا.
ربما تكون ذاكرتنا هي التي ستقف أمامها. ونحن، كعادتنا، سنكتفي بالنظر. ثم نسأل: أين ذهبت بغداد؟
ونجيبها بعد فوات الأوان:
كانت هنا… لكننا هدمناها كي نحميها.