الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإشرافُ التربويُّ بين طهارةِ الرسالةِ ومقصلةِ الفسادِ . . (فراعنةُ الإشرافِ)

← بواسطة azzaman

الإشرافُ التربويُّ بين طهارةِ الرسالةِ ومقصلةِ الفسادِ . . (فراعنةُ الإشرافِ)

نور الدليمي

 

ليس الإشرافُ قيدًا يُكبّلُ المعاصمَ، بل هو الميزانُ الذي يمنعُ كفّتَيِ الوجودِ من الاضطرابِ.

لو تركنا النهرَ بلا ضفافٍ لصارَ مستنقعًا، ولو تركنا القصيدةَ بلا عروضٍ لتاهتْ في النثرِ.

الإشرافُ في جوهرِهِ الكونيِّ هو تلكَ “الضفافُ الذكيةُ” التي تُوجّهُ التدفقَ دون أن تخنقَ الماءَ. إنه الفنُّ الأسمى الذي يوازنُ بين حريةِ الإبداعِ وحتميةِ النظامِ والمظلةِ الأخلاقيةِ والفكريةِ التي تحمي الجهودَ الإنسانيةَ من التبعثرِ والعبثيةِ.

لم يكنِ التعليمُ يومًا مجردَ تلقينٍ، ولم يكنِ الإشرافُ التربويُّ مجردَ وظيفةٍ بيروقراطيةٍ وُلدتْ في ردهاتِ الوزاراتِ.

في بداياتِهِ الأولى ارتدى الإشرافُ معطفَ “التفتيشِ”، حيثُ كان المفتشُ أشبهَ بحارسِ بوابةٍ صارمٍ يبحثُ عن العثرةِ، ويقيسُ النجاحَ بمدى التزامِ المعلمِ بالمسطرةِ والكتابِ.

لكنَّ العقلَ البشريَّ تمردَ على هذه الوصايةِ، فتحولَ المفهومُ عبرَ العقودِ من “سلطةِ الرقابةِ” إلى “سلطةِ التمكينِ” . اليوم ، الإشرافُ التربويُّ—في أصلِهِ النظريِّ—هو الهندسةُ الروحيةُ والفكريةُ التي تضمنُ أن لا تنطفئَ شعلةُ المعلمِ تحتَ وطأةِ الروتينِ، وأن لا يَضِلَّ الطالبُ طريقَهُ في متاهاتِ المعرفةِ.

تكمنُ عبقريةُ المشرفِ—سواءً كان إداريًا أو تربويًا—في تفكيكِ معضلةِ “السلطةِ ضدَّ المرونةِ”. المشرفُ التقليديُّ يستمدُّ قوتَهُ من [(الكرسيِّ) و(النصِّ القانونيِّ)]، بينما المشرفُ الملهمُ يستمدُّ سطوتَهُ من [(الرؤيةِ) و(القدوةِ)].

أيْ إنَّهُ لا يمارسُ الإشرافَ “على” الناسِ، بل يمارسُهُ “مع” الناسِ.

ففي اللحظةِ التي يشعرُ فيها الموظفُ أو المعلمُ أن عينَ المشرفِ هي عينُ الصقرِ التي تصطادُ الفريسةَ  تسقطُ الثقةُ و تولَدُ المقاومةُ النفسيةُ المستترةُ. أما حينَ يدركُ أنَّها "عينُ المنارةِ التي تهدي السفنَ وسطَ العاصفةِ" ، يتحولُ الإشرافُ من عبءٍ بيروقراطيٍّ إلى مطلبٍ وجوديٍّ وتطويريٍّ.

فالإشرافُ الإداريُّ النبيلُ هو الذي يرى المنحدرَ قبلَ أن تصلَ إليهِ العربةُ فيغيّرُ المسارَ برفقٍ، بدلًا من الانتظارِ في الأسفلِ لجمعِ الحطامِ وكتابةِ تقاريرِ الإدانةِ.. فيتحولُ إلى إشرافٍ إقطاعيٍّ.

لكنْ! إذا كانتِ الفلسفةُ الأكاديميةُ ترسمُ للإشرافِ صورةَ “المنارةِ”، فإنَّ الواقعَ المأزومَ في كثيرٍ من الأحيانِ يضعُنا أمامَ “مقصلةٍ” تُشهَرُ في وجهِ النزاهةِ.

لقد تشوهتْ وظيفةُ الرسالةِ لدى البعضِ ليتحولَ الإشرافُ من أداةِ تقويمٍ إلى سوقٍ للابتزازِ والمساومةِ.

في هذا المشهدِ القاتمِ، تنعكسُ الآيةُ تمامًا، يُصبحُ المديرُ النزيهُ الشريفُ الذي يرفضُ الانصياعَ لمنطقِ “الرشوةِ” والمحسوبيةِ، هدفًا أولًا لسهامِ التشويهِ وتلفيقِ التهمِ. فالنزاهةُ هنا تصبحُ جريمةً تُهددُ مصالحَ الفاسدينَ وتحكمُ على صاحبِها بالإقصاءِ العمديِّ.

وفي المقابلِ، يجدُ المشرفُ الفاسدُ ضالتَهُ في الكوادرِ المتكاسلةِ، حيثُ تنشأُ بينهما علاقةٌ نفعيةٌ قائمةٌ على (الدسِّ والرشوةِ)، فيُمنحُ المقصرُ صكَّ الغفرانِ والحمايةِ، بينما يُعاقبُ المخلصُ لأنَّهُ لم يقدمْ فروضَ الولاءِ والطاعةِ، وتتحولُ رغباتُ المتسلقينَ إلى وقودٍ يعبثُ بالنسيجِ التربويِّ ويزرعُ الفتنَ بين الإدارةِ والكادرِ لصالحِ مآربَ شخصيةٍ رخيصةٍ.

فعندما يتخلى الإشرافُ التربويُّ عن “شرفِهِ المهنيِّ”، فإنَّهُ يتحولُ إلى عالةٍ وعبءٍ ثقيلٍ على كاهلِ المسيرةِ التعليميةِ. يمارسُ البعضُ سلطتَهُ بعقليةٍ “فرعونيةٍ” طاغيةٍ، مستخدمًا القوانينَ والتقاريرَ سوطًا يجلدُ بهِ الكفاءاتِ، ليسَ بغرضِ الإصلاحِ، بل لفرضِ السيطرةِ المطلقةِ وتمريرِ المصالحِ الشخصيةِ والبحثِ عن علاقاتٍ مشبوهةٍ تخدمُ أهواءَ المقايضةِ بالمناصبِ.

إنَّ هذا العبثَ الإشرافيَّ هو المعولُ الحقيقيُّ الذي يهدمُ جدارَ التعليمِ، ويسقطُ المؤسساتِ التربويةَ في وحلِ البيروقراطيةِ الفاسدةِ. فعندما تُقاسُ قيمةُ المديرِ أو المعلمِ بما يدفعُهُ أو بما يقدمُهُ من تنازلاتٍ ومحسوبياتٍ، بدلًا من إخلاصِهِ وعطائِهِ، تنهارُ القدوةُ، وتفقدُ الشهاداتُ قيمتَها، ويصبحُ الحرمُ المدرسيُّ مجردَ هيكلٍ بلا روحٍ.

* لذا هنا أقفُ مُناشِدةً وزارةَ التربيةِ وكلَّ شريفٍ غيورٍ.. فقد بلغتِ السكينُ عظمَ المؤسسةِ التعليميةِ، ولم يَعُدِ الصمتُ حيادًا، بل غدا تواطؤًا وشراكةً في الجريمةِ!

فعندما يتحولُ (الإشرافُ التربويُّ) من ميزانٍ للعدالةِ إلى سوقٍ للنخاسةِ والابتزازِ، وعندما تصبحُ النزاهةُ تهمةً تُوجبُ الإقصاءَ، والرشوةُ صكًا يشتري بهِ الكسولُ صدارةَ المشهدِ، فنحنُ لا نتحدثُ عن أزمةٍ إداريةٍ عابرةٍ، بل عن خيانةٍ عظمى للأمةِ ولأجيالِها القادمةِ.

إنَّ أولئكَ الفراعنةَ الصغارَ الذين استبدلوا رسالةَ الأنبياءِ بأطماعِ الإقطاعيينَ، والذين أسقطوا هيبةَ التعليمِ في وحلِ المصالحِ الضيقةِ، يجبُ أن يدركوا أنَّ الكرسيَّ لو دامَ لغيرِهم ما وصلَ إليهم، وأنَّ التاريخَ لا يرحم.

يا حراسَ الوعيِ: إنَّ إيقافَ هذا العبثِ ليسَ ترفًا تنظيريًا، بل معركةً وجوديةً لتطهيرِ محرابِ العلمِ. إننا بحاجةٍ إلى ثورةٍ تصحيحيةٍ تقتلُ “الفرعنةَ” في مهدِها، وتُعيدُ للإشرافِ شرفَهُ المسلوبَ.. ثورةٍ تعيدُ الاعتبارَ للمديرِ الشريفِ والمدرسِ المخلصِ، وتلقي بالفاسدينَ والمتكسبينَ في سلةِ مهملاتِ التاريخِ.

وبعدَ هذا، فإنني أرى إنَّ الإشرافَ بوضعِهِ الحاليِّ ليسَ سوى حلقةٍ زائدةٍ في سلسلةِ الروتينِ، لا تُسمنُ العقولَ ولا تُغني من جوعِ الإداراتِ.

وإذا كان لا بدَّ من بقائِهِ، فإما أن يعودَ الإشرافُ مُصلحًا يحملُ شرفَ الرسالةِ، أو ارفعوا أيديَكم العابثةَ عن جسدِ التعليمِ، فالأممُ قد تصبرُ على مضضِ الجوعِ وتحتملُ قسوةَ الفقرِ، لكنها تموتُ وتندثرُ حتمًا حينَ يُباعُ ضميرُها التربويُّ في سوقِ المزادِ العلنيِّ!

 


مشاهدات 30
الكاتب نور الدليمي
أضيف 2026/10/06 - 3:07 PM
آخر تحديث 2026/10/07 - 12:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 38 الشهر 10510 الكلي 16595679
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير