مطار النجف بين العقوبات الأميركية وسيادة القرار العراقي
ضياء واجد المهندس
أعادت أزمة الرحلات الجوية بين العراق وإيران عبر مطار النجف الدولي طرح سؤال أوسع من مجرد السماح لطائرة بالإقلاع أو الهبوط: من يحدد السياسة العراقية عندما تتعارض المصالح العراقية مع سياسة دولة أخرى؟
ففي أيلول/سبتمبر 2026، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية شركات وأطرافاً مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني ضمن حملة العقوبات الأميركية على إيران. ثم امتد أثر هذه الإجراءات إلى شركات الخدمات الأرضية والمطارات التي تتعامل مع شركات الطيران الإيرانية، بعدما حذّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت من أن مقدمي خدمات الوقود والهبوط والتذاكر قد يتعرضون للعزل عن النظام المالي القائم على الدولار.
وبالفعل، أوقفت مطارات عراقية الرحلات الإيرانية، قبل أن تدخل بغداد في مفاوضات مع واشنطن للحصول على استثناءات. وفي 29 أيلول/سبتمبر أعلنت وزارة النقل العراقية استئناف الرحلات إلى إيران بعد حصول الخطوط الجوية العراقية على إعفاء أميركي محدود يتعلق بمطار النجف، لمدة شهر وبشروط محددة.
المسألة ليست مطاراً فقط
المشكلة السياسية هنا أن العقوبة الأميركية الموجهة إلى إيران أصبحت ذات آثار مباشرة على نشاط اقتصادي ومدني داخل الأراضي العراقية.
فالترخيص الأميركي لم يكن مجرد إعلان عن موقف سياسي؛ بل حدد نوع الرحلات المسموح بها، والمطار الذي يمكن استخدامها منه، وطبيعة المسافرين، وفرض متطلبات مالية وإبلاغية، مع احتفاظ OFAC بحق تعديل الترخيص أو إلغائه.
وهنا تظهر مفارقة السيادة:
إذا كان المطار عراقياً، والأجواء عراقية، والرحلات تنطلق من العراق، والجهة المشغلة عراقية، فإن السؤال المشروع هو: أين ينتهي حق الولايات المتحدة في تطبيق قوانينها على الأشخاص والشركات الخاضعة لاختصاصها، وأين يبدأ حق العراق في إدارة مرافقه وأجوائه وفق مصالحه وقوانينه؟
وهذا لا يلغي حق الولايات المتحدة في تطبيق عقوباتها على الشركات والأفراد المرتبطين بالنظام المالي الأميركي، لكنه يوضح أن الآثار العابرة للحدود لهذه العقوبات قد تتحول عملياً إلى ضغط على قرارات دول أخرى.
أرقام تكشف أهمية مطار النجف
الموضوع ليس رمزياً أو سياسياً فقط. مطار النجف أصبح جزءاً مهماً من منظومة النقل والاقتصاد والسياحة الدينية في العراق.
فخلال موسم أربعينية 2025، أعلن المطار استقبال أكثر من 300 ألف مسافر بين وصول ومغادرة، عبر 1,190 رحلة ومن أكثر من 96 جنسية.
وفي موسم محرم 2026 وحده، سجل المطار 187 رحلة وأكثر من 32 ألف مسافر خلال فترة قصيرة.
وهذه الأرقام تعني أن أي قرار يؤدي إلى تعطيل حركة الطيران لا يؤثر على شركات الطيران وحدها، وإنما ينعكس على:
_ الفنادق والمطاعم والنقل.
_ السياحة الدينية.
_ شركات الخدمات الأرضية.
_ مئات الأنشطة التجارية المرتبطة بالزائرين.
_ إيرادات المطار والمحافظة.
_ حركة المواطنين والزائرين بين العراق ودول المنطقة.
العلاقات العراقية ـ الإيرانية واقع جغرافي واقتصادي لان
العراق لا يتعامل مع إيران من فراغ سياسي أو جغرافي. هناك حدود مشتركة طويلة، وروابط اجتماعية ودينية وثقافية، فضلاً عن علاقات تجارية وطاقة واسعة.
وتشير بيانات جهاز الإحصاء العراقي إلى أن قيمة الواردات غير النفطية من إيران بلغت 3.1 مليار دولار في 2024، بما يمثل 7.9% من إجمالي واردات العراق غير النفطية. كما بلغت قيمة إجمالي الواردات غير النفطية العراقية في ذلك العام نحو 39.3 مليار دولار.
وتشير بيانات أحدث نقلتها رويترز إلى أن التجارة الثنائية بين العراق وإيران تجاوزت 10 مليارات دولار خلال 2025، مع استمرار اعتماد العراق على إيران في بعض إمدادات الطاقة.
لذلك فإن التعامل مع العلاقة العراقية ـ الإيرانية باعتبارها مجرد ملف عقوبات أميركية على إيران يتجاهل جزءاً مهماً من المصلحة الاقتصادية والجغرافية العراقية.
السيادة ليست شعاراً
هناك أساس قانوني دولي واضح للمبدأ الذي يقول إن العراقيين هم أصحاب القرار في تحديد مستقبل بلدهم.
فقرار مجلس الأمن الدولي 1546 لعام 2004 أعاد التأكيد صراحة على استقلال العراق وسيادته ووحدة أراضيه، وعلى حق الشعب العراقي في تحديد مستقبله السياسي بحرية والسيطرة على موارده الطبيعية.
وبالتالي فإن السيادة لا تعني أن العراق يرفض التعاون مع الولايات المتحدة أو إيران أو أي دولة أخرى.
السيادة تعني شيئاً أكثر دقة:
أن تكون العلاقات الخارجية أداة لخدمة المصلحة الوطنية العراقية، لا أن تتحول المصلحة العراقية إلى نتيجة ثانوية لصراع القوى الدولية.
المطلوب: سياسة عراقية واضحة
الدرس الأهم من أزمة مطار النجف هو أن العراق يحتاج إلى بناء سياسة خارجية واقتصادية تستطيع التعامل مع العقوبات الدولية من موقع الدولة، لا من موقع رد الفعل.
وهذا يتطلب:
تعريف المصلحة الوطنية العراقية بوضوح في ملفات العقوبات والطيران والتجارة والطاقة.
التفاوض مع الولايات المتحدة على أساس المصالح المتبادلة، وليس فقط طلب الاستثناءات المؤقتة.
حماية القطاع المصرفي العراقي من استخدامه لتمويل أنشطة غير قانونية، مع عدم تحويل مكافحة غسل الأموال إلى تعطيل الاقتصاد المشروع.
تنويع الشركاء الماليين والتجاريين بما يقلل مخاطر الاعتماد المفرط على أي نظام مالي واحد.
تطوير منظومة عراقية مستقلة للامتثال المالي ومراقبة الرحلات والتحويلات المشروعة.
الفصل بين مكافحة الأنشطة العسكرية أو غير المشروعة وبين حركة المدنيين والحجاج والتجارة القانونية.
اعتماد مبدأ واضح في العلاقات الدولية: لا استخدام للأراضي العراقية للإضرار بدولة أخرى، وفي الوقت نفسه لا تحويل العراق إلى ساحة لتنفيذ سياسات دولة ثالثة.
وبالتالي :
إن قضية مطار النجف تكشف مشكلة أعمق من الرحلات الإيرانية: مدى قدرة العراق على اتخاذ قراراته الاقتصادية والخارجية بما يتفق مع مصالحه الوطنية.
فالولايات المتحدة لها مصالحها وقوانينها وعقوباتها، وإيران لها مصالحها وعلاقاتها مع العراق، لكن العراق أيضاً له مصالحه التي يجب أن تكون محددة ومستقلة وقابلة للدفاع عنها.
والسيادة الحقيقية لا تعني القطيعة مع واشنطن، كما لا تعني الانحياز إلى طهران؛ بل تعني أن يكون بغداد هو المكان الذي تُتخذ فيه القرارات المتعلقة بالعراق، وفق الدستور والقانون والمصلحة الوطنية، مع احترام التزامات العراق الدولية.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تتحول من شعار سياسي إلى قاعدة ثابتة في السياسة الخارجية والاقتصادية العراقية:
العراق لا ينبغي أن يكون طرفاً تابعاً في صراع الآخرين، بل دولة تفاوض على مصالحها وتحميها.
* رئيس مجلس الخبراء العراقي