قطار العمر
اكرم عبد الرزاق
يمضي بنا قطار العمر في صمت رهيب، كما لو أنه يعرف الطريق أكثر مما نعرفه نحن. وكأن الحديد نفسه يعرف أن الرحلة ليست مجرّد انتقال بين زمنين، بل عبورٌ بطيء في تضاريس الروح. في بدايات الطريق، نكون خفافًا كأحلامٍ لم تُختبر بعد؛ نلوّح للنوافذ ونتعلق بها
في بدايات الرحلةً، نبتسم دون سبب، ونظن أن العالم ينتظرنا عند أول محطة،
نحدّق في الوجوه، نبحث عن معنى، ونظن أن كل محطة هي النهاية.
لكن القطار لا يتوقف لأجل ظنوننا، بل لأجل نضجٍ لم نكن نراه.في المقاعد الأولى، نكون خفافًا، نحمل أحلامًا كثيرة وحقائب قليلة.
لكن القطار، بخبرته القديمة، يعلّمنا أن الطريق أطول مما نتصوّر، وأن المحطات ليست نهايات، بل مرايا نرى فيها أنفسنا كما لم نرها من قبل.تتبدّل المقاعد من حولنا، يصعد رفاقٌ ويترجّل آخرون، وتبقى بعض الوجوه معلّقة في الذاكرة كأنها لم تغادر قط.
نمضي بين العربات، نضحك، نجرّب، نخطئ، وننهض دون أن نفكر كثيرًا.
ثم تتوالى المحطات، وتثقل الحقائب، وتصبح الضحكات أقل صخبًا وأكثر عمقًا. نلتقي وجوهًا تصعد معنا، ووجوهًا تنزل قبلنا، ووجوهًا تبقى في الذاكرة رغم أنها لم تبقَ في القطار. نتعلم أن بعض الرفاق كانوا دروسًا، وبعضهم كانوا عِبَرًا، وبعضهم كانوا هدايا من الزمن. ومع كل محطة، نفقد شيئًا ونكسب شيئًا، حتى نصل إلى تلك المرحلة التي نعرف فيها أن الرحلة لم تكن سباقًا، بل كانت بحثًا عن ذاتٍ تتشكل ببطء.
وحين يقترب القطار من محطته الأخيرة، لا نخاف كما كنا نظن، بل نهدأ.
نضع رؤوسنا على زجاج النافذة، ونبتسم لذلك الطريق الطويل الذي لم يكن سهلًا، لكنه كان ضروريًا ليصنعنا كما نحن الآن.
وعندما نترجل أخيرًا، لا نحمل معنا كل ما جمعناه، بل نحمل فقط ما صقلنا:
حكمة، وهدوء، وامتنان، وقلبًا يعرف كيف يرى الحياة كما هي… لا كما أرادها أن تكون.