الفئات العمريّة.. الماضي مشرق والحاضر مظلم
نصير الزيدي
من من جيل الطيبين ينسى صرخة المعلق الرياضي الكبير الراحل مؤيد البدري عام 1977، من ملعب آزادي في العاصمة الإيرانية طهران، وأمام أكثر من مئة ألف متفرج، عندما أعلن فوز منتخب الشباب العراقي ببطولة آسيا؟
كان ذلك الجيل واحداً من الأجيال الذهبية التي صنعت تاريخ الكرة العراقية، وضم في صفوفه أسماء كبيرة مثل حسين سعيد وجبار حميد ووميض خضر ومهدي جاسم وغيرهم من النجوم، بقيادة المدرب اليوغسلافي أبا نيوغارد. ولم يكن ذلك الإنجاز مجرد بطولة عابرة، بل كان بداية لمسيرة عدد من اللاعبين الذين واصلوا تألقهم حتى الوصول إلى نهائيات كأس العالم 1986.
وبعد أكثر من عقدين، عاد منتخب الشباب العراقي ليؤكد أن المواهب العراقية لا تنضب، عندما توج ببطولة كأس آسيا للشباب في العاصمة طهران عام 2000. وكان جيلاً ذهبياً آخر، برز فيه عماد محمد ونور صبري ونشأت أكرم وأحمد علي وجاسم محمد غلام، وقدموا ملحمة كروية أعادت إلى الأذهان أمجاد الكرة العراقية.
ولا يمكن أن ننسى أيضاً إنجاز منتخب الناشئين الذي حصد لقب كأس آسيا عام 2016 في الهند، في جيل برزت فيه أسماء مثل محمد داود وعلي عبادي ومنتظر عبد السادة ومحمد رضا جليل.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا حدث؟ ولماذا توقف القطار في تلك المحطات ولم يعد يسير؟
هل فقدنا البوصلة؟ أم أن سائق القطار أصيب بمرض مزمن لا علاج له؟ وهل نسينا أننا كنا أبطال القارة الآسيوية، وأن الفئات السنية كانت يوماً مصنعاً حقيقياً لنجوم الكرة العراقية؟
الإجابة لا تحتاج إلى الذهاب بعيداً، ولا حتى إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. فالإهمال واضح، والخلل أصبح أكبر من أن يتم تجاهله، بدءاً من آلية اختيار الكوادر الفنية المشرفة على المنتخبات السنية، مروراً بطريقة اكتشاف واختيار اللاعبين الموهوبين القادرين على التطور، وصولاً إلى الدور الغائب للكثير من الأندية التي لم تعد تمنح الفئات السنية الاهتمام الذي تستحقه.
لقد أصبحت الفئات العمرية في عدد من أنديتنا مهمشة، رغم أنها تمثل الاستثمار الحقيقي والمستدام لكرة القدم. فاللاعب الموهوب الذي تتم رعايته منذ الصغر يمكن أن يصبح بعد سنوات نجمًا يخدم المنتخب الوطني، ويوفر على الأندية والمنتخبات عناء البحث المستمر عن اللاعبين الجاهزين.
نحن اليوم بحاجة إلى خطة آنية ومستقبلية واضحة لإعادة بناء هذا القطاع الحيوي، تبدأ من اكتشاف المواهب في المدارس والأحياء والأندية، وتوفير المدربين المتخصصين، ووضع برامج تطوير علمية للفئات العمرية، مع متابعة مستمرة للاعبين وعدم تركهم بعد انتهاء مرحلة عمرية معينة.
الفئات السنية ليست هامشاً في كرة القدم، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه المنتخبات القوية. وإذا أردنا صناعة منتخب وطني قادر على المنافسة لسنوات طويلة، فعلينا أن نبدأ من القاعدة، لا أن ننتظر النتائج من القمة.
هذه رسالة واضحة وصريحة إلى اتحاد الكرة والأندية وكل من له علاقة بكرة القدم العراقية: آن الأوان لتصحيح المسار وإعادة الاعتبار للفئات السنية.
فالعراق الذي أنجب أجيالاً أمتعتنا ورفعت علمه في المحافل الآسيوية والعالمية، ما زال قادراً على الإنجاب من جديد... بشرط أن نحسن رعاية المواهب وألا نقتلها بالإهمال.
نريد أن يعود القطار إلى السير من جديد، وأن نستعيد تلك الأيام الذهبية التي كنا نستمتع بها ونفخر بها.