لو خُليَت قُلبت في الموصل
عبدالكريم يحيى الزيباري
صباح يوم الخميس 17 أيلول 2026، بلا توانٍ ولا كسل، أسرعَ مدير عام مرور نينوى إلى محطة تعبئة الفيصلية الحكومية، أقدم محطة تعبئة في الموصل، لمّا سمِعَ بضرورة تغيير مسار الدخول والخروج، وحالما دخل غرفة الإدارة، وسمِعَ الناس أصحاب المحلات حتى هرعوا إلى الباب. نظرَ المدير إلى شاشة المراقبة فرآهم يعودون أدراجهم. فسأل لماذا؟ فليدخلوا ولنسمع ماذا يريدون. قيل: لن تكفي الغرفة. إذا تحدث كلٌّ منهم ثلاث دقائق، ضاعَ النّهار. قال بحزم وهدوء: افتحوا الباب ونادوا عليهم. ليدخل واحد منهم يمثّلهم. كلا، ليدخلوا جميعًا. فجاؤوا جميعًا وامتلأت الغرفة حتى الباب الخارجي. بدأ كلٌّ منهم يشرح الضرر الذي سيترتب على تغيير المسار. تحدّث سائق سيارة حمل جاء من سنجار: سيدي، إذا تغيّر المسَار، سوف أضطر للتفريغ بعيدًا عن المحل، وسوف أحتاج إلى حمالين وعربات لنقل البضاعة، وينقص من أجرتي ويزيد سعر البضاعة ويُسَدّ الشارع بعربات الحمالين. وتوالت الشكاوى: السوق ضعيف والإيجارات مرتفعة، ونحن نفتح من شروق الشمس إلى غروبها وبالكاد ندفع الإيجار والضرائب والرسوم. كان لمدير المحطة فيصل البدراني نصيب من حديثهم، فأثنوا على تواضعه وتفاهمه وتواصله معهم. وخرجَ المدير، يمشي في الشوارع المحيطة وينظر ويتناقش مع مدير إعلامه وبقية الضباط. وقال: عند حدوث أزمة، نعود إلى القرآن الكريم (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيد) سورة الحج: 24. ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح. ثم أمرَ بعدم وضع شوكية وترك الوضع على ما هو عليه، فالضرر الصغير داخل الشوارع الفرعية، أهون من الضرر العام في الشارع الرئيس وقطع أرزاق الناس وسد الطريق أمام إشارة المرور. وخرجَ المدير والناس تدعو الله له.
ربّما حان الوقت، وطالما ترددت أنْ أبدأ الحديث عنه. أخشى آلاف التعبيرات هذه، كما يخشى الطفل الزيف. لا يهمّني ما يمكن أنْ يُقال في مدحه، وإنّما ما يمكن أن تقوله أفعاله ومنجزاته. وأخشى أن تصنع الكلمات حول رأسه هالة، فتحجب جبينه الحقيقي الحكيم، الإنساني، الهادئ الصبور المبتسم الشجاع. وأخشى أنْ تحجبَ المدائح وبهرجة التبجيل بساطة الرجل.
العميد الحقوقي سامي عبدالخالق موسى الزيباري، مدير مرور نينوى. خريج كلية الشرطة دورة 41 لسنة 1990، زميلي في كلية القانون. عُرِفَ بحبّه وتفانيه في خدمة الناس ونزاهته، رحلَ عنه والده وعمره أربعة عشرَ عامًا، فصارَ ربّ الأسرة في كنفِ عمِّه حسين. لا يدخل غرفته كل صباح قبل أنْ يجري جولةً في شوارع نينوى، ويستمع إلى شكاوى الناس. رزقه الله حُسَنَ الخَلُق والتواضع وطول السكوت وصدق الحديث، أجرى تغييرات عديدة في جوهر عمل المرور تعتمد خِدمة الناس في الدرجة الأولى، فصارت معاملات تحويل ملكية السيارة وإجازات المرور الكترونية وأسهل وبلا ساعات انتظار، وهو أول من جعل الدوام في مديريته وجبتين صباحي ومسائي. وبعد نجاح التجربة أمر وزير الداخلية بتعميم التجربة على مديريات المرور كافة. وأول مَن أدخل اللجان الطبية لفحص طالبي إجازات المرور إلى داخل مديرية المرور لتسهيل المعاملات على المواطنين.