الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شخصنة الإعلام المؤسسي تلتهم كرامة الموظف

بواسطة azzaman

شخصنة الإعلام المؤسسي تلتهم كرامة الموظف

أحمد الخطاط

 

أمام عدسة تُصوّر كل خطواته، وقف المسؤول يوبّخ موظفاً بسيطاً بأعلى صوته، يلقّنه درساً أمام الحاضرين ليصنع منه محتوىً يضمن لصفحته آلاف التعليقات والإعجابات!

يبدو أن المنصات الرقمية فرضَت نمطاً جديداً على الإعلام المؤسسي؛ إذ برزت ظاهرة (شخصنة) المشهد الإعلامي عبر تركيز الحسابات الرسمية للدوائر والمؤسسات على نشاطات المسؤولين واستعراض تحركاتهم اليومية، على نحوٍ يطغى على أداء المؤسسة ذاتها. والأدهى من ذلك أن المسؤول يُحاسب الموظفين وينتقدهم بأسلوب لاذع أو ويظهرهم بمظهر المقصرين وينشرهم أمام الرأي العام؛ ليتحول الموقف إلى (ترند) يُمتع المسؤول وهو يتصفح عبارات الإطراء والتفاعلات وردود الأفعال الشعبية، دون أدنى مراعاة للقيمة المعنوية والاعتبارية للموظف.

إن هذا النمط من الإدارة الإعلامية يمس الكرامة الوظيفية العامة ويتجاوز اللوائح السلوكية المُتبعة في المراقبة وتقويم الأداء؛ فالمحاسبة الحقيقية تبدأ بتطوير بيئة العمل، وتطبيق القانون بمهنية وهدوء بعيداً عن الاستعراض والإثارة الإعلامية.

وتُثير هذه الظاهرة تساؤلاً جوهرياً حول مدى انحراف الإعلام المؤسسي عن مقاصده؛ إذ تحولت المنصات الرسمية إلى أدوات للترويج الفردي عبر استغلال المهام الوظيفية الاعتيادية وتصويرها كإنجازات شخصية استثنائية تُدار لجمع التفاعلات وحصد المتابعات.

ولهذا الانحراف ارتدادات سلبية متعددة المستويات، يتصدرها تزييف مفهوم الإنجاز وتهميش العمل المؤسسي؛ إذ إن اختزال مجهود المؤسسة في شخص المسؤول التنفيذي يضعف مفهوم العمل المؤسسي المستدام، ويجعل الصورة الذهنية للوزارة أو الهيئة مرتبطة بوجود الفرد لا بقوة نظامها الداخلي.

كما ينجم عن هذا المسار تشويه الرسالة الإعلامية المؤسسية وتضليل الجمهور؛ إذ يُفترض بالإعلام المؤسسي أن يركز على الإفصاح عن السياسات العامة، وتزويد المواطنين بالمعلومات الموثوقة والخدمات الإرشادية. غير أن اختزاله في تغطية البروتوكولات والاستقبالات والزيارات الشخصية يقلص المحتوى التوعوي، ويحرم المواطن حقه في الوصول إلى المعلومة الدقيقة التي تهمه. وفي النهاية، يتولد لدى الشارع انطباع بالدعاية السياسية والمبالغة، مما يضعف ثقة الجمهور بالمؤسسات الحكومية.

إن هذه الظاهرة تستدعي إخضاعها للتكييف القانوني المتأني؛ لمعرفة الحد الفاصل بين الرقابة الإدارية ومبدأ الشفافية من جهة، وبين التعدي على حقوق الموظف المكلف بخدمة عامة وإساءة استخدام السلطة من جهة أخرى. فالرقابة الميدانية واستكشاف مواضع الخلل في المرافق العامة يُعدّان جزءاً أصيلاً من الصلاحيات الإدارية والرقابية للمسؤول، غير أن تحويل هذه الإجراءات إلى استعراض في المنصات الرقمية ينال من شخوص الموظفين ويحولهم إلى مادة للسخرية والاستهزاء تنعكس على مركزه العائلي والاجتماعي، وهذا يقع تحت طائلة المخالفة الجسيمة لأسباب قانونية ودستورية متعددة.

تتمثل أولى هذه الأسباب في الانتهاك الدستوري لكرامة الإنسان وحقوق المواطنة؛ إذ نص دستور جمهورية العراق لعام 2005 على أن «حرية الإنسان وكرامته مصونة». ولما كان الموظف العام جزءاً من النسيج الاجتماعي، فإن تعريضه للإهانة العلنية وتوجيه الاتهامات له أمام الشاشات يمثل تعدياً صريحاً على كرامته الشخصية والوظيفية، وينتهك الضمانات الدستورية الممنوحة له.

أما السبب الثاني فيتجسد في تجاوز القواعد الإجرائية؛ فقد رسم قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم (14) لسنة 1991 المعدل المنهج القانوني الحصري لمحاسبة المقصرين؛ حيث ألزم بضرورة تشكيل لجنة تحقيقية، وإشعار الموظف بالمخالفة المنسوبة إليه، وسماع دفاعه وتدوين أقواله قبل فرض أي عقوبة انضباطية.

ولمواجهة هذه الظاهرة وإعادة الإعلام المؤسسي إلى مساره المهني، تبرز الحاجة إلى تحديد معايير تفصل بوضوح بين الخبر المؤسسي والتوجهات الترويجية للشخصيات. ويتطلب هذا المسار تنظيم إدارة المنصات والحسابات الرسمية للتركيز على النشاطات الخدمية، وقياس مدى رضا المواطنين، وتسهيل المعاملات، مع حظر الترويج الفردي لأي مسؤول. ولا يُستثنى من ذلك إلا التغطيات التي تقترن بحدث استراتيجي أو إطلاق خدمة جوهرية، وما عدا ذلك يُفترض اعتماد لغة مؤسسية رصينة تبدأ باسم المؤسسة أو نوع الخدمة.

إن الشفافية والرقابة الميدانية مطلبان حاسمان لتطوير الأداء الحكومي، غير أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست قنوات قضائية ولا مجالس انضباطية. وتظل الزيارات الميدانية ونشر المشكلات العامة تصرفاً مباحاً قانوناً متى ما استهدف توثيق الواقع الخدمي ومعالجة الخلل بعيداً عن الإساءة لأشخاص العاملين فيها. في المقابل، يُعد التشهير بالموظفين والمحاسبة العلنية تصرفاً مخالفاً بشكل جسيم لأحكام الدستور والقانون؛ لتجاوزه المسارات الانضباطية الرسمية ومساسه بكرامة الموظف، مما يوقعه تحت طائلة التشهير المُجرَّم قانوناً.


مشاهدات 37
الكاتب أحمد الخطاط
أضيف 2026/09/21 - 2:26 PM
آخر تحديث 2026/09/22 - 1:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 144 الشهر 36725 الكلي 16569245
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير