وجوه من الذاكرة العربية.. الطيب الصديقي
فارس المسرح المغربي يترك أثراً لا يمحى
صالح رضا
حين نتحدث عن المسرح المغربي والعربي، يصعب أن نتجاوز اسم الفنان الكبير الطيب الصديقي، أحد أبرز رواد المسرح العربي في القرن العشرين، والذي جمع في تجربته بين التمثيل والإخراج والتأليف، واستطاع أن يمنح المسرح المغربي خصوصيته وهويته من خلال العودة إلى التراث الشعبي والثقافي وإعادة تقديمه بروح مسرحية حديثة.
ولد الطيب الصديقي في مدينة الصويرة بالمغرب، ونشأ في الدار البيضاء، ومنذ بداياته اتجه إلى المسرح، فدرس وتدرّب على أساليبه الحديثة، ثم عاد إلى المغرب حاملاً معه معرفة مسرحية جديدة، ليبدأ رحلة طويلة في بناء تجربة مسرحية أصبحت علامة بارزة في تاريخ الفن المغربي.
لم يكن الصديقي مجرد ممثل يقف على خشبة المسرح، بل كان صاحب مشروع فني متكامل. اشتغل على التأليف والإخراج والتمثيل، وأسّس فرقاً مسرحية، وأسهم في تكوين أجيال من الفنانين، كما تولى إدارة المسرح البلدي في الدار البيضاء، وكان له حضور مؤثر في الحركة المسرحية المغربية. وكان من أهم ما يميز تجربته أنه لم ينظر إلى التراث باعتباره شيئاً من الماضي، بل رآه مادة حية يمكن أن تتحول إلى مسرح معاصر. لذلك استلهم شخصيات وحكايات من التراث المغربي والعربي، واستعاد أعمالاً أدبية وفكرية قديمة، ومن أشهر أعماله المسرحية «الحراز» و«مقامات بديع الزمان الهمذاني» و«الغفران» وغيرها من الأعمال التي عكست قدرته على المزج بين التراث والفرجة الشعبية واللغة المسرحية الحديثة.
كما امتدت موهبته إلى السينما، وشارك في عدد من الأعمال السينمائية المغربية والعربية والأجنبية. ومن أشهر مشاركاته ظهوره في فيلم «الرسالة» للمخرج العالمي مصطفى العقاد، حيث أدى شخصية الوليد بن عتبة، وترك في هذا الدور حضوراً لافتاً، وأصبح من الأدوار التي يتذكره الجمهور العربي من خلالها.
لكن قيمة الطيب الصديقي لا تختصر في ظهوره السينمائي، فالمسرح كان ميدانه الأوسع ومشروعه الذي كرّس له معظم حياته. كتب وأخرج عشرات الأعمال، واشتغل على المسرح باللغة العربية والفرنسية، وسعى دائماً إلى جعل المسرح قريباً من الناس، مستفيداً من الحكاية الشعبية والشعر والتراث الصوفي والشخصيات التاريخية والأدبية.
وقد تجاوز تأثيره حدود المغرب، ليصبح اسمه معروفاً في الساحة العربية والدولية، وحصل خلال مسيرته على عدد من الأوسمة والتكريمات، من بينها أوسمة مغربية وتكريمات فنية وثقافية فرنسية.
رحل الطيب الصديقي في الدار البيضاء يوم 5 شباط عام 2016، بعد مسيرة حافلة امتدت لعقود، تاركاً وراءه إرثاً مسرحياً وفنياً كبيراً. وقد عُدّ رحيله خسارة للمسرح المغربي والعربي، لكن أعماله بقيت شاهدة على فنان آمن بأن المسرح ليس مجرد عرض يقدم على الخشبة، بل ذاكرة وهوية وثقافة وحوار مع الإنسان.
إن الطيب الصديقي واحد من أولئك الفنانين الذين لم يكتفوا بصناعة الأعمال، بل أسهموا في صناعة مرحلة كاملة من تاريخ المسرح. ولذلك يبقى اسمه حاضراً في ذاكرة الفن العربي، ويبقى أثره ممتداً في كل مسرح مغربي وعربي يبحث عن هويته ويستمد من تراثه ما يمنحه القدرة على الاستمرار والتجدد.
الطيب الصديقي.. فنان مغربي كبير، حمل المسرح من ذاكرة التراث إلى رحابة الحاضر، وترك على خشبة الفن العربي أثراً لا يُمحى.