السفر إلى الذات
عمر ربيع
في معترك الحياة والمشاغل التي لا نهاية لها، نجد الإنسان يبحث دائمًا عن مكان أو منطقة يركن إليها للتخفيف، أو الهرب إن صح التعبير، من واقعه الذي لم يستعد له أو لم يستوعبه بعد.
فعندما نتصفح المواقع ونشاهد التلفاز، تقفز من هنا وهناك أماكن ووجهات يقصدها السياح أو تستهويهم، مثل الشواطئ الجميلة، أو الغابات، أو أماكن المغامرات والتجارب التي تجذب الناس على اختلاف مشاربهم في هذه الأرض العظيمة.
فالسفر بحد ذاته يعتبر أكبر مصادر السعادة للإنسان، وبه فوائد عديدة، ومن أهم فوائده أنك تدرك ضآلة ما رأيته، وكلما رأيت واختبرت أكثر، زادت رغبتك في الرؤية والاستمرار في التجربة.
لكن هل تعلم أنه لو أنك سافرت وزرت الأماكن جميعها، فهناك رحلة وسفرة أهم من جميع الرحلات والسفريات!!
إن سفرك نحو ذاتك واكتشاف نفسك تُعدّ أهم رحلة في العمر تخوضها، فبها تُبنى حياتك وتعرف أهدافك، فوصفت بأنها أطول رحلة إلى أقرب مكان!!
فعندما تكتشف ذاتك، وتعرف قدراتك، وتعي ما لك وما عليك، وتدرك غاية وجودك هنا، أصبحت إنسانًا على قيد الحياة الحقيقية.
فالناس جميعًا لديهم حياة، ولكنهم تائهون، وأغلبهم متخبطون. أضاعوا البوصلة، حسبوا أن هذه حياتهم بالفعل، لكنهم، ظنًّا، عاشوا؟؟
سفرك إلى ذاتك يعني بزوغ نجم جديد في السماء... سفرك إليك يعني معرفة طريقك، سفرك إلى نفسك يضع لك بصمة خاصة بك لا يملكها غيرك.
سفرك إلى ذاتك يكشف عنك الغشاوة، ونرى بعين البصيرة لا بعين البصر. وتذكر أن قلبًا تسكنه الشمس، كل أرض له ربيع.
بعد سفرك هذا ووصولك لذاتك الحقيقية:
لا يهم كم كتابًا قرأت، بل كيف جعلتك تشعر؟
لا يهم كم صديقًا تملك، بل كم منهم تشعر بحضوره بالأمان؟
لا يهم كم مدينة زرت، بل أيًّا منها أعادت لك دهشتك الأولى؟
لا يهم كم معاناة مررت بها، بل إلى من أصبحت بعد تجاوزها؟
لا يهم كم مرة أحببت، بل أي محبة ألهمتك لتحب نفسك أيضًا؟
لا يهم كم سنة عشت، بل كم لحظة شعرت أنك حيّ حقًا؟
ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أنك لا تعود منها بحقيبةٍ أثقل، بل بروحٍ أخف؛ لا تحمل معك خرائط جديدة، وإنما تسقط من داخلك خرائط قديمة رسمها الآخرون لك. هناك، في أعماقك، ستكتشف أن بعض الطرق التي أرهقتك لم تكن طرقك، وأن بعض الأبواب التي أضنيت عمرك في طرقها لم تكن لك.
وأن الوصول ليس دائمًا أن تبلغ المكان الذي أردته، بل أن تبلغ نفسك التي أضعتها وأنت تركض خلف كل شيء. وحينها فقط، ستدرك أن السلام لم يكن في آخر الطريق، بل كان ينتظرك في أول خطوة صادقة نحو ذاتك.
ختامًا... علينا الإدراك أننا جميعًا في سفر دائم وقائم، وأجمل وأغلى محطة للوصول هي وصولنا لغايتنا السامية، عند عودة الروح إلى واهبها.
فسافروا إلى الله قبل أن تلاقوه.