الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من توزّيع الوظائف إلى تصنيع العمل

بواسطة azzaman

من توزّيع الوظائف إلى تصنيع العمل

أسامة أبو شعير

 

نبيل، مهندس عراقي في الثامنة والعشرين، مضت أربع سنوات على تخرجه، يتنقل بين عمل مؤقت وانتظار التعيين. لا يبحث عن راتب فقط، بل عن بداية لحياة يمكن التخطيط لها. وقصته تختصر مفارقة عراقية أكبر: مئات الآلاف يدخلون سوق العمل، فيما تنفق الدولة مبالغ هائلة على الرواتب. لذلك ربما لم يعد السؤال: كم وظيفة حكومية نستطيع أن نضيف؟ بل: مَن ينتظر العمل، ولمن ندفع اليوم، وماذا نحصل مقابل ما ندفع؟

وهنا تبدأ القضية: كيف ينتقل العراق من دولة توزّع الوظائف إلى دولة تصنع العمل؟

الإجابة لا تبدأ بإيقاف التعيينات، ولا بإطلاق قروض جديدة. فالشهادة لا تخلق وظيفة، والقرض لا يصنع مشروعًا ناجحًا، والتعيين لا يضمن خدمة أفضل. المطلوب مساران متلازمان: رفع كفاءة استخدام الموارد البشرية والمالية داخل الدولة، وتوسيع قدرة الاقتصاد على خلق عمل منتج خارجها.

بلغ عدد خريجي الدراسات الأولية في الجامعات والكليات والمعاهد الحكومية والأهلية نحو 271 ألفًا في 2023–2024، مقابل نحو 202 ألف في السنة السابقة. وهذه أعداد خريجين وليست أعداد عاطلين؛ لكنها تكشف حجم التدفق السنوي الذي ينبغي للاقتصاد استيعابه.

والقطاع الخاص ليس هامشيًا في التشغيل. فقد أظهر مسح القوى العاملة لعام 2021 أن نحو 5.3 ملايين شخص كانوا يعملون فيه، مقابل 3.261 ملايين في القطاع العام. لكن أقل من 10 بالمئة من العاملين في القطاع الخاص كانوا مشمولين بالضمان الاجتماعي. فالتحدي ليس نقل الباحثين عن العمل من الدولة إلى أي وظيفة خاصة، بل بناء عمل خاص منتج ومستقر ومحمي، يصبح بديلًا حقيقيًا للتعيين الحكومي.

منظومة موحدة

وهنا تظهر مشكلة أعمق: البيانات. نحتاج إلى منظومة رسمية موحدة ومحدثة تجيب عن أسئلة حاسمة: كم خريجًا يدخل سوق العمل؟ كم منهم يجد عملًا؟ وكم موظفًا تحتاجه كل مؤسسة حكومية؟ وأين يوجد النقص والفائض؟ فوجود سجلات متفرقة لا يعني امتلاك صورة وطنية تربط التعليم والعمل والرواتب باحتياجات المؤسسات.

والقضية ليست نظرية. ففي 2014 أعلن رئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي، بعد عمليات تدقيق، اكتشاف 50 ألف اسم وهمي في أربع فرق عسكرية. ولا يجوز استخدام الرقم لتقدير الظاهرة اليوم، لكنه يكشف قدم مشكلة سلامة سجلات العاملين والرواتب. وفي أغسطس/آب 2026 أُعلن عن قضية تخص 549 موظفًا وهميًا في قطاع الكهرباء. وهي أيضًا ليست تقديرًا وطنيًا، لكنها تعيد السؤال نفسه: هل تعرف الدولة مَن تدفع له، ولماذا، وأين يعمل؟

وتزداد أهمية السؤال أمام وضع المالية العامة. فبحسب حسابات النصف الأول من 2026، بلغت الإيرادات نحو 35.95 تريليون دينار، مقابل إنفاق بلغ 57.19 تريليونًا. وبلغت تعويضات الموظفين وحدها نحو 30.77 تريليون دينار، أي نحو 85.6 بالمئة من الإيرادات خلال الفترة، بينما بلغ الإنفاق الاستثماري 2.51 تريليون فقط. وهذه حسابات تنفيذ نصف سنوية وليست موازنة سنوية مقرة.

لكن القول إن العراق لديه ببساطة «موظفون أكثر من اللازم» مضلل. فهناك اسم وهمي يتقاضى دون استحقاق؛ وموظف حقيقي في مؤسسة يتجاوز عدد العاملين فيها الحاجة؛ وموظف حقيقي ضعيف الإنتاجية لأن المؤسسة نفسها تفتقر إلى الإدارة أو المعدات أو التكنولوجيا. الأول يحتاج إلى تدقيق ومساءلة، والثاني إلى إعادة توزيع أو انتقال طوعي، والثالث إلى إصلاح المؤسسة.

لكن الأصعب هو ما يمكن تسميته «الاستقرار السلبي»: توازن يستمر فيه النظام بإدارة المشكلة بدل حلها؛ ينتظر الخريج التعيين، وتُستخدم الوظيفة العامة أحيانًا لتوزيع المنافع، وتتضخم فاتورة الرواتب، ويبقى الاقتصاد المنتج أضعف من أن يصبح البديل. ومع الزمن تصبح الوظيفة الحكومية معيارًا اجتماعيًا للأمان والمكانة؛ لذلك لا يكفي مطالبة الشباب بتغيير تفضيلاتهم، بل يجب أن يصبح العمل الخاص نفسه أكثر استقرارًا وحماية وفرصًا للتقدم.

وهذا الاستقرار يعيد إنتاج الاختلال الهيكلي في الاقتصاد العراقي: الإيرادات الريعية تموّل الإنفاق الجاري؛ والإنفاق يعزز الاعتماد على الدولة؛ والاعتماد يرفع الطلب على التعيين؛ فيضغط على الاستثمار والإنتاج، ويضعف قدرة الاقتصاد على خلق العمل، فتزداد الحاجة إلى الدولة من جديد.

لذلك فإن كسر الاستقرار السلبي لا يعني زعزعة الاستقرار الاجتماعي، بل كسر الحلقة التي تجعل الاختلال يعيد إنتاج نفسه. ويبدأ بتغيير الحوافز: أن يرتبط التعيين بالحاجة، والراتب بعمل يمكن التحقق منه، والتمويل بالنتيجة، والدعم بقدرة مثبتة على الإنتاج والتشغيل.

وهنا تلتقي قضية العمل بقضية الموازنة: فكما أن إصلاح الموازنة لا يبدأ بحصة كل وزارة، بل بالقيد الذي ينبغي إزالته والنتيجة التي ينبغي تحقيقها، فإن إصلاح سوق العمل لا يبدأ بعدد الوظائف التي تستطيع الدولة توزيعها، بل بالسؤال: ما الذي يمنع الاقتصاد من خلقها؟

وهذه نقطة التحول: بدل أن تموّل الدولة الوظيفة، عليها أن تزيل القيد الذي يمنع الاقتصاد من خلقها.

المهارة والقدرة

فالبديل ليس أن نقول للخريج: «لا توجد تعيينات، افتح مشروعًا». المشروع لا يعيش بالقرض وحده؛ بل بالطلب والكهرباء والتمويل والمهارة والقدرة على البيع.

كما أن المصرف لا يصبح داعمًا للإنتاج بمجرد زيادة القروض؛ المطلوب تمويل مرتبط بجدوى وطلب مثبتين، وضمانات لا تستبعد المشروع الجيد لافتقاره إلى العقار، وآليات لتقاسم المخاطر تشجع المصارف على تمويل التوسع المنتج. لذلك ينبغي أن يبدأ الدعم من فرصة اقتصادية مثبتة، لا من قرض يبحث بعد ذلك عن مشروع.

ويمكن اختبار ذلك خلال تسعين يومًا، بقيادة فريق تنفيذي يرتبط بمجلس الوزراء ويضم التخطيط والمالية والعمل والجهات الرقابية والمصرفية: تدقيق عينات من الرواتب؛ تحديد المؤسسات التي تعاني نقصًا أو فائضًا؛ واختيار منشآت خاصة لديها طلب مثبت وقيد يمنع توسعها. ويمكن الاستفادة عند الحاجة من الخبرة الفنية الدولية في البيانات والتدقيق وإصلاح سوق العمل، مع بقاء ملكية القرار والتنفيذ عراقية.

وبعد سنة لا يكفي إعلان أن البرنامج نجح؛ بل تُنشر النتائج في لوحة عامة قابلة للتحقق: كم سجلًا صُحح؟ كم مالًا وُفّر؟ هل تحسنت الخدمة؟ وكم وظيفة مستدامة خُلقت؟ وتُتاح البيانات، ضمن حدود حماية الخصوصية، للإعلام والباحثين والمجتمع المدني. فالشفافية هنا ليست ملحقًا إعلاميًا للإصلاح؛ بل جزء من آلية حمايته.

لكن الإصلاح يحتاج أيضًا إلى تحالف يحميه: حكومة تنفذ، وبرلمان يربط التمويل بالنتائج، وأجهزة رقابية تتحقق، وقطاع خاص وجامعات ونقابات ومجتمع مدني يراقبون الأثر. فعندما تصبح كلفة الوضع القائم ومكاسب الإصلاح مرئية، يبدأ الانتقال من إدارة التوازنات إلى تغيير قواعدها.

وعندها يتغير سؤال الخريج من «متى نتعين؟» إلى «أين توجد الحاجة إلى مهاراتنا؟»، عبر ربط الجامعات والمعاهد بسوق العمل والتدريب التعاوني المرتبط بالمؤسسات المنتجة، مع إبقاء التعيين الحكومي للمواقع التي تثبت الحاجة إليها والقدرة على تمويلها.

فالمشكلة ليست أن العراق يدفع رواتب، ولا أن الخريجين يريدون العمل في الدولة؛ بل أن طريقًا واضحًا لم يُبنَ بعد بين التعليم والعمل والإنتاج والمال العام.

وحين تعرف الدولة لمن تدفع، ولماذا، وماذا تحقق بما تدفع، وتعرف مَن ينتظر العمل وما المهارة التي يحملها وأين يمكن أن ينتج قيمة، لن يبقى مستقبل نبيل معلقًا بقائمة تعيينات جديدة، بل باقتصاد يعرف أين يحتاجه. وتلك هي البداية الحقيقية لكسر الاختلال الهيكلي والانتقال من دولة توزّع الوظائف إلى دولة تصنع العمل.

 


مشاهدات 30
الكاتب أسامة أبو شعير
أضيف 2026/09/19 - 12:27 AM
آخر تحديث 2026/09/19 - 1:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 105 الشهر 31353 الكلي 16563873
الوقت الآن
السبت 2026/9/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير