المنتديات الأدبية ٠٠ وقفاتٌ في مهنية الإداء وسبلِ الإرتقاء
جاسم الطائي
مما لا شكّ فيه أنّ المنتدياتِ الأدبية في الفضاءِ الأزرق لها دورٌ كبيرٌ في انتشارِ الوعي الثقافي في العالم العربي سلباً كان أو إيجابا ، وهي تضطلع بمسؤولياتٍ جسيمةٍ في هذا المجال ، ولهذا كان لزاماً عليَّ أن أكتبَ هذا المقالَ لأقف على مفاصلَ جوهريةٍ تخصُّ عملَ المنتدياتِ من خلالِ تجربتي مؤسساً لمنتديينِ ومسؤولاً في أكثرِ من منتدى وشاعراً ناشطاً في أكثر من مئة منتدى تنتشرُ في الفضاءِ الأزرق وأكاديمياً متخصصاً في اللغة العربية وآدابها ٠
الوقفة الاولى ( المسؤول ) : مما لاحظتُه من خلالِ تجربتي الشخصيةِ أنّ بعض المسؤولين في الكثير من المنتديات الأدبية ينظرون إلى الناشرِ بعين التعالي والكِبرِ كأنهم زماناتُ عصرهم في العلمِ وهم جاهلون ، ففي أحد المنتديات وأنا أتصفحُ قرأتُ تعليقا لأحدهم على قصيدة لشاعرة يشير إليها بتغيير صياغةِ عجزِ أحد الأبيات ( على العام ) لأنه يعتقد بخطأ المعنى المقصود ، فإذا بها قد غيّرت الشطرَ كما أشارَ -حياء منها وأحتراماً- لكونهِ مسؤولاً في المنتدى وكنتُ قد قرأتُ القصيدةَ قبل التعديلِ فأصبحَ في معنى البيت خطأ فاضحٌ بعد أن كان صحيحاً ، ولأنه تخصصي الأكاديمي دخلتُ إلى تعليقِه وكتبت له: أستاذي الفاضل أنت مخطئ لأنك تعامَلتَ مع عجز البيتِ مستقلاً ولو ربطتَه بصدرِ البيتِ لوجدتَه صحيحاً ففي صدر البيتِ نفيٌ وحرفُ عطفٍ وطبيعي أن يكون المعطوفُ ( عجز البيت ) منفياً ايضاً ليستقيمَ المعنى ، ولأن حجتي كانت علمية وقد أفحَمَته أجابني بكل برود وتعالٍ : ( أنت المخطئ وأنا المصيب والدليل أن صاحبة النص غيرت وفق ما أشرت إليها) فأجبته بما يستحق وحظرته على الفور لانني بصراحة لا أريد ان اصدع رأسي بمن يظن انه علم وقد جهل وقد أعادت الشاعرة نصها إلى ما كان عليه بعد أن قرأت تعليقي ٠
وفي منتدى آخر وأنا أشارك في برنامج للتخميس وكانت الأبيات من البحر الكامل وبعد أن نشرتُ مشاركتي دخلَ عليها مسؤول بتعليق يقول فيه : ( إن الإضافة التي أضفتها على الأبيات هي من الوافر وليست من الكامل )
مسؤول يقدم برنامجا للتخميس ويتابع مشاركات الأعضاء فيه وربما يقبل ويستبعد ويكرم ولا يفرقُ بين الكامل والوافر بل لا يستطيع أن يتلمس تشابه موسيقى التفعيلات بين نص البرنامج وما أضفت إليه في التخميس !!!
أما كان الأجدر أن تتخير المنتديات ولو شخصاً واحداً متخصصاً ليتولى مسؤولية متابعةِ وتدقيق نصوصِ شعرِ العمودِ على أقل تقدير ؟! أما كان أحرى بالمسؤولين الإشارة إلى الأخطاء على الخاص فإن أصابوا كانت لهم حسنة الإصابة وحسنة الذوق والتأدب في إبداء الملاحظة وإن أخطؤوا فلهم حسنة الاجتهاد وحفظ ماء الوجه لأنهم أشاروا على الخاص وليس العام ٠
الوقفة الثانية فوضوية التكريمات وشهادات الدكتوراه الفخرية :
لن اتحدث عن شهادات الدكتوراه فلي مقال منشور في عشرات المنتديات يمكن الرجوع اليه لمن أحب ذلك عنوانه ( أنا والدكتوراه )
كنت نائباً للأمين العام وعضواً في لجنةِ إجازة النصوص والتكريم في اتحاد المثقفين العرب الذي يرأسه الدكتور عقيل درويش ، وكانت بمعيتي في لجنة الإجازة والتكريم الأستاذة الفاضلة طيبة الذكر الشاعرة ( سعاد الأسطة ) وقد كانت السياقات كالآتي :
١- لا يكرم أكثر من ثلاثة نصوص يوميا كحد أقصى على أن تكون خالية من أي خطأ نحوي أو لغوي أو إملائي فضلا عن النضج الفني مبنى ومعنى فهو شرط مفروغ منه ٠
٢- في حال عدم وجود نصوص تستحق التكريم نحجم عن إصدار أية شهادةٍ لأي نص٠
٣- يشترط في تكريم النص الشعري أن يكون شعراً عمودياً حصرا ٠
وهنا لابد من الإشادة بالمهنية والإلتزام الذي كان يحكم سياقات العمل في الإتحاد فأشير بعين الإحترام والتقدير إلى الدكتور عقيل درويش مؤسس الإتحاد ورئيسه فلم يكن يتدخل بعملنا مطلقاً وقد طلب مني غير مرة وهو مؤسس الإتحاد ورئيسه أن أكون وسيطاً لأقنع الأستاذة سعاد الأسطة بالموافقة على منح شهادة تكريم للنصوص النثرية ، وبعد محاولات عديدة ونقاشاتٍ كثيرةٍ معها أقنعتُها بالموافقةِ على إصدارِ هكذا شهادةٍ بشروطٍ: أن يكونَ تصميمها مختلفاً عن تصميم شهادة قصيدة العمود وأن لا يشارَ فيها أو في المنشور بمصطلح( قصيدة ) بل يشار بمصطلح ( نص نثري )٠
هكذا كانت سطوة المسؤولِ المتخصِّصِ واحترامه لمهنيته واحترام الرئيس لصلاحيات صاحب الإختصاص ٠
أما ما أراه اليوم ففوضى عارمة في الكثير الكثير من المنتديات لا يحكمها سياق عملٍ في منح شهادات التكريم لنصوص قراءتها مضيعة للوقت فكيف تكرم؟! لا بأس أن تكون شهادة شكرٍ لمشاركةٍ في برنامج أما أن تكون شهادة تكريم تمنح المشروعية والامتياز لما لا يستحق فهذا بعيد عن المهنية والمسؤولية ٠
الوقفة الثالثة :
الصحف الالكترونية واختيار النصوص
في اللحظة الأولى لنزولِ المنشور ( ندعوكم للمشاركة بإرسال النصوص للنشر بالعدد كذا لمجلة المنتدى الالكترونية )
يلهث اللاهثون ويتسابق المتسابقون فقد هبط الوحي وتحقق الإلهام ، وما هي إلا ساعة واحدة فقط لا غير حتى تجد المشاركات تجاوزت المئة مما يضطرُّ إدارة المنتدى إلى غلقِ بابِ التعليقِ وهنا تبدأ المعاناة في اختيار النصوص وأيها ينشرُ وتكاد لا ترى نصاً يستحق النشر ، فالنصوص الرصينة تغيب إما لأن أصحابها رأوا المنشور متأخراً فلم يشتركوا في السباق، أو أنهم لم يروه أصلاً لانشغالهم يوماً أو يومين عن المتابعة ، جهد كبير والمحصلة جريدةٌ أو مجلةٌ جميلة جميلة شكلاً وإخراجاً فنياً لكنها أحياناً تصلُ حدّ الإسفافِ مضموناً ، وهنا لا نعمّم ما نطرحُهُ بل في أغلبه هذه هي المحصلة ٠
وما دامت مواعيد نشر المجلات في أغلبها أسبوعية أو شهرية وثابتة أما كان من الصواب أن يكونَ اختيارُ النصوصِ من المنشورات التي تنشر على صفحةِ المنتدى على مدار أيام الأسبوع أو الشهر ؟ أليس هناك مسؤول لمتابعة النصوص وتدقيقها وتكريم أصحابها ؟ ما المانع من أن نختص شخصاً في اختيار نصوصِ المجلة أو الجريدة من خلال متابعة ما ينشر ؟
أنا شخصيا أعزف عن المشاركة في مجلات الكثير من المنتديات لأنني لا أريد أن أتسابق مع المتسابقين بل أترك لهم باب المشاركة مفتوحا على مصراعيه أحتراما لقلمي ٠
يقينا أن ما تقدمت به لن يروق للكثير الكثير من في المنتديات الادبية ، وحتما ساجد من ينعتني بالمتعجرف او المتكبر فاقول : رحم الله امرَأ عرف قدر نفسه ولست مضطرا للاستشهاد بقول المتنبي ٠٠٠٠ لكنها وجهة نظر شخصية قد نتفق عليها وقد نختلف فيها أو في جزئيات منها ، لكنني لن اسمح لمصلحة شخصية لشخص ما أن تمنعني من أن أعبرَ بالأمانة المهنية والعلمية عما يجول بخاطري وأن أسطره خدمة للمشهد الثقافي في المنتديات الأدبية واحتراما لقلمي المتواضع ، والله ولي التوفيق ٠