باحثون وسياسيون كرد يحثّون على تجنّب الأفق المغلق: الإصلاحات الشاملة وحصر السلاح حتمية لحماية العراق
السليمانية- باسل الخطيب
أكد باحثون وسياسيون كرد أن العراق وصل إلى أفق مسدود كلياً، ولم يعد يمتلك المرونة الكافية لاستيعاب ديناميات المتغيرات الإقليمية والمتطلبات الدولية المتصاعدة، داعين إلى ضرورة تحصين المشهد الداخلي من خلال البدء بإصلاحات هيكلية واقتصادية حقيقية وشاملة، بالتوازي مع حصر السلاح بيد الدولة، وتكريس سلطة الدستور والقانون. جاء ذلك في جلسة حوارية نظمتها مؤسسة ميزوبوتاميا للدراسات الاستراتيجية (MASS) في السليمانية مؤخراً، بعنوان «العراق في مرحلة انتقالية: التحديات والفرص»، وأدارها د. ياسين طه المختص بتاريخ المذاهب الإسلامية والخبير في الشأن العراقي، بمشاركة مجموعة من الباحثين والأكاديميين والسياسيين. وقال رئيس المؤسسة د. يوسف محمد صادق، إن الجلسة تأتي في إطار «حرص المؤسسة على مناقشة الأوضاع الراهنة وبلورة رؤى ومقترحات لمساعدة صناع القرار على مواجهة الأزمات التي يشهدها إقليم كردستان بخاصة والعراق والمنطقة بعامة»، مشيراً إلى أن المؤسسة تسعى أيضاً إلى «خلق بيئة تساعد على الانتقال من منطق الصراع إلى التكامل السياسي والاقتصادي والاستناد إلى المصالح والمصير المشترك لخدمة الدولة وتجاوز خندق المصالح الشخصية والحزبية والفئوية الضيقة». وأضاف أن الجلسة «شهدت نقاشات معمقة تناولت التأثيرات المباشرة التي يتعرض لها العراق بفعل موقعه الجغرافي وظروفه السياسية والاقتصادية والأمنية فضلاً عن تداعيات الصراعات والتحولات الإقليمية والدولية»، مبيناً أن مخرجات الجلسة «ضمنت في ورقة أعدتها المؤسسة لعرضها على الجهات المعنية». وأوضح صادق، أن المشاركين رأوا أن العراق «يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية دقيقة تفرض عليه إما أن يتكيف مع الوضع الإقليمي الجديد بأقل الخسائر أو ينزلق إلى قلب عاصفة التغييرات»، لافتاً إلى أنهم حذروا من أن «استمرار هشاشة الوضع الداخلي قد يجعل العراق أكثر عرضة لتداعيات الأزمات المحيطة به».
وتابع أنهم أكدوا أن مواجهة المخاطر المحيطة بالعراق «تتطلب تحصين الجبهة الداخلية من خلال إطلاق إصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية وتعزيز أداء مؤسسات الدولة ومأسسة الأجهزة الرسمية لمنع حالات الشغور والهشاشة الأمنية لاسيما في المرحلة التي تلي انسحاب قوات التحالف الدولي»، لافتاً إلى أنهم أكدوا أهمية «تكريس حاكمية الدستور والقانون وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائفها باعتبار ذلك أساساً للاستقرار السياسي والأمني وحماية القرار الوطني».
ورأوا أيضاً، بحسب رئيس المؤسسة، أن تقليل تداعيات الصراعات الإقليمية والأحداث الخارجية «يرتبط بنحو مباشر ببناء مناعة داخلية ترتكز على معالجة الاختلالات الاجتماعية والسياسية»، معتبرين أن ذلك يشكل «ترسيخاً لدعائم السلم المجتمعي».
حصر سلاح
وقدر تعلق الأمر بالملف الأمني، قال صادق، إن المشاركين «اعتبروا أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أحد الشروط الأساس لترسيخ سيادة الدولة وتعزيز الأمن الوطني»، مؤكدين ضرورة «إنهاء مظاهر ازدواجية القرار الأمني وتفكيك الهياكل الموازية ضمن الأطر الدستورية والقانونية».
ورأوا أيضاً، أن معالجة هذا الملف «لا تنفصل عن الإصلاح السياسي والمؤسسي والاقتصادي وأن بناء دولة قادرة على حماية أمنها ومصالحها يتطلب توحيد القرار الأمني والعسكري تحت مظلة المؤسسات الرسمية»، منوهين إلى أن حصر السلاح بيد الدولة، والإصلاحات الاقتصادية الحقيقية والشاملة «أصبحت حتمية استراتيجية وضرورة وطنية ملحة لحماية كيان الدولة واستدامة الأمن الوطني في بيئة إقليمية مضطربة».
اختلالات بنيوية
وخلصت نقاشات الجلسة، بحسب صادق، إلى أن العراق «يقف عند عتبة منعطف تاريخي حاسم وأن النموذج السياسي والاقتصادي الذي اعتمد منذ عام 2003 يواجه اختلالات بنيوية عميقة ومزمنة حدت من قدرته على التعامل بمرونة مع المتغيرات الإقليمية والمتطلبات الدولية المتصاعدة»، عازية ذلك إلى «مجموعة عوامل من بينها الاعتماد الكبير على الريع النفطي وتقاسم السلطة على أساس المحاصصة وضعف الالتزام بالأطر الدستورية وتغلغل الفساد المؤسسي ووجود السلاح خارج إطار الدولة فضلاً عن تراجع العدالة الاجتماعية وتضخم البطالة المقنعة». وشددوا على أن استمرار تلك الاختلالات «يحد من قدرة الدولة على الاستجابة للأزمات ويجعل الاقتصاد والمجتمع أكثر تأثراً بالصدمات السياسية والأمنية الخارجية». وفي الجانب الاقتصادي، أكد المشاركون أن الإصلاح «لا ينبغي أن يقتصر على معالجة الاختلالات المالية الآنية فحسب بل يجب أن يشمل أيضاً إعادة هيكلة الاقتصاد وتعزيز القطاعات الإنتاجية وتنويع مصادر الدخل بما يقلل من الاعتماد المفرط على النفط»، وطالبوا بضرورة «معالجة البطالة وتوسيع فرص العمل وتحسين الخدمات وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية باعتبارها عوامل أساس في تعزيز الاستقرار الداخلي وتقوية العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة».
واعتبروا، ودائماً بحسب صادق، أن الإصلاح الاقتصادي «يشكل جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء الدولة»، منوهين إلى أن ذلك «لا يمكن فصله عن الإصلاح السياسي والمؤسسي والأمني لاسيما في ظل التحديات التي تواجه العراق على المستويين الإقليمي والدولي». وفي الجانب السياسي، والحديث دائماً لرئيس المؤسسة، حذر المشاركون من أن «استمرار حالة عدم اكتمال التشكيل الوزاري والاسترخاء التنفيذي تجاه عدد من الملفات الاقتصادية والأمنية الحرجة»، معتبرين أن ذلك «يفاقم من هشاشة الوضع السياسي الداخلي ويعمق الأزمات القائمة». وقالوا إن استمرار ذلك «قد يعرض الحكومة الاتحادية لفقدان الشرعية الإجرائية والنصاب السياسي أو يدفع نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً بما فيها الاستقالة المتسلسلة الأمر الذي قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة»، ودعوا إلى ضرورة «رفع كفاءة السلطة التنفيذية في إدارة التوازن بين المقتضيات الداخلية والتحديات الخارجية وتبني سياسات قادرة على حماية المصالح الوطنية في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب».
مخاطر وفرص
ولم تقتصر نقاشات الجلسة الحوارية على تشخيص الأزمات فحسب، بل شهدت طرح العديد من المعالجات والحلول. وبهذا الصدد قال د. يوسف محمد صادق، إن المشاركين بينوا أن موقع العراق الجغرافي وثقله السياسي والاقتصادي يمكن أن «يتحولا إلى عناصر قوة وفرص استراتيجية إذا ما أحسن التعامل معها من خلال سياسة خارجية متوازنة وتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية مع المحيط الإقليمي والدولي»، معتبرين أن العراق «يمتلك فرصة لإعادة صياغة موقعه في المنطقة شريطة أن يتمكن من بناء مؤسسات أكثر فاعلية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الداخلي وتبني سياسات اقتصادية تقلل من هشاشته أمام التداعيات الخارجية». وأكد المشاركون أن المرحلة المقبلة «تتطلب رؤية وطنية تتجاوز الحسابات قصيرة الأمد وتضع بناء الدولة والمؤسسات في مقدمة الأولويات إلى جانب معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز السلم المجتمعي وسيادة القانون»، وخلصوا إلى أن نجاح العراق في تجاوز المرحلة الانتقالية «لن يعتمد فقط على قدرته في احتواء الأزمات الحالية فحسب بل وعلى مدى قدرته على تحويل المتغيرات الراهنة إلى فرصة لإعادة ترتيب أولوياته السياسية والاقتصادية والأمنية وبناء دولة أكثر تماسكاً وقدرة على حماية مصالحها الوطنية والاستجابة للتحديات المستقبلية».
مؤسسة ميزوبوتاميا
يذكر أن مؤسسة ميزوبوتاميا للدراسات الاستراتيجية تأسست عام 2022 كمنظمة مدنية مستقلة غير حكومية، وغير ربحية، مجازة من قبل دائرة المنظمات غير الحكومية في بغداد. وأنها تركز على قضايا استراتيجية سياسية واقتصادية متنوعة في إقليم كردستان والعراق والشرق الأوسط عموماً، من خلال البحوث، والاستفادة من الخبرات المحلية والدولية، وورش العمل، والدورات التدريبية. وأنها تقدم مشاريع وحلولاً لصانعي السياسات والجهات المعنية في إقليم كردستان والعراق، بهدف معالجة الأزمات وحلّها. والاستفادة من الخبرات المحلية والدولية، وورش العمل، والدورات التدريبية. وأنها تقدم مشاريع وحلولاً لصانعي السياسات والجهات المعنية في إقليم كردستان والعراق، بهدف معالجة الأزمات وحلّها.