إنذار شنغهاي لأجل الوقاية والرقابة والمساءلة
غسان العزاوي
شهد العراق خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الحوادث التي لم تعد مجرد أخطاء فردية أو وقائع عابرة، بل كانت كوارث أودت بحياة العشرات، وأحياناً المئات من الأبرياء في عموم البلاد. فمن الأخطاء الطبية التي ترافق بعض العمليات الجراحية والوفيات شبه اليومية التي تسجلها دوائر الطب العدلي، الى انهيار مبانٍ قيد الإنشاء، بينها مجسرات ومساكن ومنشآت تجارية، وصولاً إلى الحرائق التي التهمت أسواقاً وفنادق ومستشفيات ومجمعات تجارية ومخازن. أما الضحايا الذين فقدوا حياتهم، فتحولوا لمجرد أرقام احصائية دونت في سجلات الوفيات، نتيجة أخطاء طبية أو هندسية، وأحياناُ تقنية نفذت خارج الضوابط بعيداُ عن معايير السلامة.
تتكرر مشاهد الخسارة بشكل شبه يوميأ، فيما تتشابه معها الأسئلة التي تطرح بعد كل حادثة: كيف حدث ذلك؟ ومن المسؤول؟ ولماذا لم تتم الوقاية منه قبل أن يتحول إلى كارثة؟
أما في قطاع التعليم، لا تبدو الصورة أقل إثارة للقلق. فالمؤشرات والتقييمات الدولية والمحلية ترسم صورة مشوهة عن واقع التعليم في العراق، لتكشف عن تحديات متراكمة تمس جودة التعليم وفرص الأطفال والشباب في الحصول على تعليم آمن وجيد. لكن المشكلة لا تكمن في الحوادث وحدها، ولا في ضعف النتائج التعليمية كل على حدة، وإنما في النمط الذي يجمع بينها.
استمرار المخاطر
عندما تتكرر الأخطاء في قطاعات مختلفة، وتستمر المخاطر رغم التحذيرات، وتتحول الحوادث إلى أخبار متكررة في حياة الناس، يكون من الضروري أن نسأل: هل نحن أمام سلسلة من الإخفاقات المنفصلة، أم أمام خلل أعمق في منظومة الإدارة والرقابة والمساءلة؟
قد تكون بعض الحوادث نتيجة إهمال أو ضعف في المعايير الفنية، وقد يكون بعضها الآخر مرتبطاً بالفساد أو سوء الإدارة أو غياب الرقابة. لكن الأخطر هو أن تتحول هذه الأسباب إلى واقع مألوف وعادي، وأن تتراجع المسؤولية الفردية والمؤسسية أمام شبكة من المصالح التي تجعل اكتشاف الخلل ومعالجته أكثر صعوبة.
ان المشكلة الحقيقية تبدأ عندما لا تؤدي الكارثة الى تغيير، ولا يتحول الخطأ إلى درس، ولا تتحول المسؤولية إلى محاسبة. عندها لا يكون السؤال فقط: من تسبب بالحادث؟ بل يصبح السؤال الأهم: من سمح باستمرار الظروف التي جعلت وقوعه ممكناً؟
لا يحتاج العراق الى مزيد من بيانات الإدانة بعد كل كارثة، بقدر ما يحتاج إلى منظومة حقيقية للوقاية والرقابة والمساءلة، تبدأ من تطبيق المعايير المهنية، ولا تنتهي عند محاسبة المسؤولين لأن حياة الناس ليست مساحة للتجربة، والسلامة العامة ليست تفصيلاً إدارياً يمكن تأجيله.
ان كانت بعض الجهات التي تقف خلف هذه الإخفاقات ما تزال بعيدة عن المساءلة أو غير واضحة للرأي العام، فإن ذلك يجعل مهمة الصحافة والمجتمع المدني أكثر أهمية، فالبحث عن الحقيقة وتتبع المسؤولية وكشف الخلل قبل أن يتحول مرة أخرى الى مأساة، جميعها واجبات أي انسان بغض النظر عن عمره أو وظيفته أو موقعه في المجتمع. فحماية الناس أمانة و واجب انساني واخلاقي يتشارك فيه الجميع.
وبالعودة الى الحوادث والتحقق من أسباب حدوثها، فقد تبدو الملفات مختلفة ومنفصلة للوهلة الأولى، لكن ثمة أسئلةً تفرض وتحتاج لإجابات:
من الذي أجرى العملية الطبية الخاطئة ومن هم مساعدوه؟
من الذي بنى المنشأة خارج معايير البناء لتنهار، ومن مسؤول الصحة والسلامة المهنية؟ من الذي صمم وأسس خطوط الطاقة الكهربائية التي تسببت بالتماس والحرائق، وكيف هي جودة المواد المستخدمة؟
وهنا تحديداً تبرز قضية التعليم والتدريب وافتقار المهارات المهنية التي تحولت لظاهرة طغت على ملامح العمل في البلاد، وفي مقدمتها مؤسسات التعليم العالي بنوعيه الحكومي والأهلي، ألا أن الأخير له وقع أكبر لأسباب عديدة، ولكونه اتسع بشكل كبير خلال السنوات الماضية، فتحول في بعض الحالات من صرح تعليمي يحمل رسالة معرفية الى مشروع استثماري ربحي.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع الجامعات والكليات الأهلية تعمل بالطريقة نفسها، فهناك مؤسسات أكاديمية تحاول الحفاظ على معايير مهنية وعلمية جيدة، لكن زيادة الاعداد واحتدام التنافس بين المؤسسات الأهلية يفرض سؤالاً جدياً حول قدرة الرقابة الحكومية على ضمان جودة التعليم ومخرجاته، في حين تواجه الجهات المختصة ضغطاً كبيراً في القطاع العام أصلاً نتيجة الاعداد الكبيرة من الطلاب المتقدمين للدراسة في الجامعات والمعاهد الحكومية التي فاقت أعدادها المئة وخمسون مؤسسة تعليمية في العراق، بما فيها اقليم كردستان.
قبل حرب عام 2003، كان عدد الجامعات الأهلية في العراق محدوداً ولا يتجاوز العشر جامعات أهلية فقط، ألا أن السنوات اللاحقة شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في العدد ليبلغ عددها احدى وتسعون جامعة أهلية في عموم البلاد. ومع هذا الارتفاع في العدد، احتدم التنافس بين تلك المؤسسات، وزادت العروض المغرية لجذب الطلاب. فمن تخفيض معدل الثانوية العامة الى تقسيط أجور الدراسة، والمنح المجانية للسنة الاولى والمرونة في الدوام الحضوري داخل الجامعة، ليصبح الحصول على مقعد دراسي في بعض التخصصات أكثر سهولة. لفهم المشكلة بصورة عملية، أجرينا تقييماً عشوائياً محدود شمل ثلاثة خريجين من جامعات مختلفة. «لا يمكن بالطبع اعتبار هذه الحالات الثلاث دليلاً إحصائياً على مستوى جميع الخريجين»، لكنها تقدم نماذج حقيقية تستحق التحليل والاستنتاج.
أحد المشاركين، تخرج مؤخراً من قسم تقنيات هندسة الأجهزة الطبية، ويبلغ من العمر 29 عاماً. واجه صعوبة كبيرة في استخدام اللغة الإنجليزية لكونه لا يجيدها بإتقان تام، بالرغم من أن تخصصه يعتمد بصورة كبيرة على المصطلحات والمراجع الإنجليزية. والأكثر إثارة للتساؤل، أنه لم يتمكن من توضيح الفرق بين جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي وجهاز المفراس. أما بحث التخرج فقد أعدّه لك مكتب خارجي يختص بالطباعة والاستنساخ، بمبلغ مالي قيمته مئة وسبعون ألف دينار.
تجربة دراسية
وفي حالة أخرى، تحدث خريج هندسة حاسوب، يبلغ 42 عاماً، عن تجربته الدراسية التي انتهت عام 2020 وهو موظف في القطاع النفطي. وخلال التقييم، واجه صعوبة في الاجابة على أسئلة تخص مهاماً أساسية في برنامج “Microsoft Word” وهنا لا يتعلق الأمر بإتقان برنامج بعينه بقدر ما يطرح السؤال حول مستوى المهارات التي يحصل عليها الطالب خلال سنوات الدراسة بمتطلبات سوق العمل الفعلية.
أما الحالة الثالثة، فهي لخريج كلية القانون من احدى الجامعات الأهلية، وهو موظف مبيعات يبلغ 39 من العمر وأب لطفلتين. فقد واجه الخريج صعوبة في اجتياز اختبار الكفاءة الذي أعدته الوزارة لخريجي الكليات الأهلية مؤخراً بعد تخرجه من الكلية بأشهر، وقد فشل في اجتياز 3 مقررات دراسية. وعن السبب، أوضح أنه لم يفهم جيداً محتوى المحاضرات التي كان يشارك فيها غالباً عبر تطبيق «واتساب» لكون الجامعة في بغداد، وهو من يسكن في مدينة نائية في اخدى المحافظات.
اتجهت بعض المؤسسات التعليمية الى توسيع استخدام التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد، لاستقطاب العدد الأكبر من الطلاب وكحل لإشكالات طلاب المناطق النائية، لكن بصورة غير رسمية ولا معلنة. يحضر من خلالها الطلاب محاضراتهم الجامعية عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي منها”الواتساب والتلغرام “، ومن خلالها أيضاً يتم التواصل مع الأساتذة لطلب الاستشارات وتقديم الواجبات والمشاركة في الاختبارات من خلال استمارات الكترونية “Google Forms”.
أما الجدل فيكمن حول الاعتراف بالتعليم المدمج أو التعليم عن بعد في العراق، والذي لا يزال غير معتمدٍ في وقت أصبحت فيه أنماط التعليم الرقمي جزءاً من منظومة التعليم العالي في العديد من الجامعات العالمية مثل: هارفارد واوكسفورد وماساشوستس وكامبريج وغيرها من الجامعات الرصينة التي تتصدر تصنيفات عالمية مثل ”شنغهاي وكيو اس والتايمز“.
ان تلك الجامعات العالمية طورت أنظمتها الرقمية لتكون حرماً جامعياً معتمد، يقدم المحاضرات والاختبارات وينفذ المناقشات بأسلوب حديث ومناسب وبتطبيقات رسمية معتمدة، حتى جعلت من التحول الرقمي نظاماً رسمياً يمكن من خلالها التدريس والمناقشة وتقديم الاستشارات وتنفيذ المشاريع المعتبرة.
لكن في العراق، ترفض وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الشهادات الممنوحة لطلاب عراقيين درسوا في تلك الجامعات الرصينة باللغة الانجليزية، حتي وان حقق مرتبة شرف بتفوق أكاديمي أثناء دراسته، ألا أن ضوابط الوزارة ترفض معادلة شهادته الجامعية، لكونه درس فيها” عن بعد“، في حين تقدم عدد من الجامعات العراقية محاضراتها الدراسية في الداخل عبر مواقع تواصل اجتماعي بأساليب غير مناسبة لدراسة جامعية، لكنها تمنح شهادات أكاديمية معتمدة من الوزارة!!!
لا تقتصر المشكلة على التعليم الأهلي فحسب، ولا على استخدام التكنولوجيا. وإنما تكمن المشكلة في السياسات والمعايير التي تحتاج لمواكبة التطور التكنولوجي، والسياسات التي تحكم جودة التعليم ومخرجاته. فالجامعة ليست بناية تتضمن مجموعة قاعات دراسية، ولا اسماً منح الموفقة لمزاولة الأنشطة، ولا شهادة ورقية تعلق على جدار، ولا صفحة الكترونية تروج ليل ونهار لاستقطاب الطلاب وكسب المنافسة مع جامعات أخرى.
بل المفترض أن تكون الجامعة كما كانت، مكاناً يتعلم فيه الطالب كيف يفكر ويبحث ويبتكر ويغير ويحل المشكلات ويضع الحلول المناسبة، ليطبق المعرفة التي اكتسبها في الحياة العملية، ليجعل من المهارات التي أكتسبها مفاتيح نجاح له ولمجتمعه ويكون ثروة بشرية وطنية، يتقدم المجتمع بتقدمه، ويزدهر البلد بعطائه. لا أن يكون متظاهراً يحتج مع الآلاف للمطالبة بوظيفة تؤمن له راتباً شهرياً لقاء جلوسه في أحدى غرف الدوائر الرسمية حتى بلوغه سن التقاعد، دون ابداع وعطاء.
عند تخرج مهندس دون امتلاك المهارات المرتبطة بعمله، أو مسؤول صحي دون معرفة كافية بمجال تخصصه والأدوات الصحيحة والمفاهيم الأساسية، هنا لا تتوقف المشكلة عند الطالب أو الجامعة. إنها تتحول إلى مسألة سلامة عامة.
فالطبيب غير المؤهل قد يخطئ في غرفة العمليات ويقتل شخصاً بريء، والمهندس الفاقد لأسس عمله حتماً سيخطئ في الموقع ليصيب ويقتل العشرات، وتقنيو الكهرباء والغاز والنفط الذين يفتقرون الى المهارات الأساسية قد يكون عملهم سبباً لحريق يلتهم المئات من الناس.
وهكذا يمكن أن تتحول أزمة التعليم والتدريب بمرور الوقت الى أزمات في الصحة والهندسة والتكنولوجيا والإدارة وسائر القطاعات الحيوية، لتتسبب بكوارث يصعب السيطرة عليها. وهنا نستذكر حوادث طبعت في أذهان العراقيين ويصعب نسيانها، كحادث عرس الحمدانية، وحريق مستشفى ابن الخطيب، وسقوط مجسر طريق كربلاء- بغداد، وغيرها من الحوادث المماثلة.
لا يحتاج العراق الى المزيد من الشهادات بقدر حاجته إلى المعرفة والمهارة والبحث العلمي، فالبلد الذي يتفاخر بأنه كان من أوائل المجتمعات التي ابتكرت الكتابة واهتمت بالتنظيم والمعرفة، لا ينبغي أن تكون الشهادة التعليمية فيها نهاية لرحلة التعلم بدلاً من أن تكون بدايتها المهنية.
ان الاعتراف بهذه المشكلة هو الخطوة الأولى نحو إصلاحها، خاصة بعد خروج الجامعات العراقية من تصنيف شنغهاي الذي اختار ألف جامعة حول العالم، دون أن يتضمن جامعة عراقية واحدة من القطاعين العام والخاص. وما تلك المؤشرات الست التي يعتمدها التصنيف ألا شارات حمراء تحذيرية للبحث عن الثغرات واعادة التقييم والاصلاح، وإعادة هيبة الشهادة التعليمية العراقية كما كانت.
أما التغاضي والتجاهل، أو التعامل معها باعتبارها مجرد أرقام في تقارير سنوية، فلن يؤدي إلا لتخريج أجيال تحمل شهادات أكثر، لكنها لا تمتلك علوم وأدوات معرفة حقيقية وكفاءة ومسؤولية.
لا يهم عدد الجامعات الحكومية أو الأهلية، ولا عدد الخريجين الحاملين لشهادات في مختلف التخصصات، بل أن الأهم من كل الأسماء والأعداد، ما يمتلكه حاملي الشهادات من معرفة وعلوم ومهارات بعد التخرج، وما هي الابتكارات والإنجازات التي يطمحون لتحقيقها على أرض الواقع، في بلاد تحتاج إلى علماء ومثقفين وصانعي تغيير، وأطباء حقيقيين يستأصلون سرطان الفساد الذي أمرض العراق طويلاً، محاولاً النيل منه؟