الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
البكر من وحدة الأمة إلى سلطة القرية (1)

بواسطة azzaman

البكر من وحدة الأمة إلى سلطة القرية (1)

المكر والغدر والتخلّي عن الرزّاز وعمّاش وتبنّي صدام

طالب الحسن

إنّ البحث الاستقصائي لحقبة الحكم البعثي في العراق، يُلزمنا ويفرض علينا أن نتناول بعناية الباحث الدور الفاعل الذي لعبه أحمد حسن البكر في الفترتين الأساسي الذي فرض نفسه بدون منازع، وإنّ تخطيه أو إعطاءه دوراً هامشياً اللتين قفز َ فيهما بحزبه الصغير إلى سدة الحكم في البلاد، وكان البكر هو اللاعب سيجعل من البحث متهافتاً، ولا يصمد أمام النقد التاريخي الرصين.

إنّ لأحمد حسن البكر الفضل على حزب البعث بعد أن وضعه على رأس السلطة في العراق، قبل أن يصل إليها هذا الحزب في بلد النشأة والميلاد، من خلال انقلابه على حكم الزعيم قاسم في 8 شباط 1963، فهو القائد العسكري لذلك الانقلاب بلا أدنى شك، ولكن الحزب لم يمكث طويلاً في السلطة، وسرعان ما تهاوى بين يدي عبد السلام عارف، وسقط سقوطاً مدوياً في 18 تشرين الثاني من العام نفسه، فاضطر البكر إلى البراءة المهينة والتخلي عن العمل السياسي مكرهاً.

ولكنه لم ييأس، وظل ينتظر الفرصة المناسبة، وقد جربها بعد أقل من عام مرّ على سقوط حزبه، ولكنه فشل في 5/9/1964، وانزوى مرغماً في داره، فارضاً على نفسه أن لا يقوم بعمل عسكري انقلابي، ما زال صديقه القديم عبد السلام عارف المعروف بشجاعته النادرة على قيد الحياة.

ولأنه ينوء تحت ضغط نفسه المطبوعة على التآمر وصنع الانقلابات، والمجبولة على المكر والدهاء اللامحدودين، فلا محالة أن يطرح اليأس جانباً، ويعود إلى ممارسة العمل السياسي الذي يستبطن الفعل الانقلابي العسكري، وقد حالفه الحظ بعد أن خلا له الجو من خصمه العنيد عبد السلام عارف، ليستهدف هذه المرة أخاه الرئيس عبد الرحمن عارف صبيحة 1٧ تموز 1968.

لم يكن لصدام دورٌ في انقلاب 8 شباط 1963 البتة، ولم يكن على علم به، وإنما سمع خبره من المذياع؛ لأنه لما يزل في قاعدة الحزب، وبعد عودته من القاهرة كانت درجته الحزبية عضو فرقة لا غير، وفي الانقلاب الثاني كان دوره هامشياً، ولكن إعلامه والإعلام المعارض لسلطة البعث، أوحى إلى الجيل الحاضر والجيل الذي سبقه، بأن صدام هو صانع سلطة البعث في العراق، رغم أن فترتي الحكم اللتين مارسهما حزب البعث العراقي كانتا من صنع البكر عسكرياً في الأولى، وبالتعاون مع البطانة الخائنة العميلة في الثانية.

تقريب الأقارب

ولو لم يكن أحمد حسن البكر مفتوناً بتقريب الأقارب والأصهار، قبل أن يذعن لنصائح صنوه وقريبه ونديمه خير الله طلفاح، ويخضع لإملاءاته وتأثيره، فتضمحل لديه أفكار البعث ومفاهيمه، لتحل محلها أعراف القبيلة وعاداتها، وينقلب تفكيره رأساً على عقب، لتصبح سلطة القرية البديل المناسب لوحدة الأمة، التي جعلها حزب البعث في مقدمة أهدافه، ويصير صدام وريثه على السلطة.

وكان لهذه التأثيرات الضاغطة فعلها على عقلية البكر المحدودة، ونفسيته المأزومة، فآثر صدام القريب منه عائلياً، على حردان التكريتي وصالح مهدي عماش البعيدين عنه عشائرياً، ولو كان العكس لبقي البكر ماسكاً بالسلطة إلى يوم رحيله، ولم ينازعه أحد، أو يعمل على إخراجه من الرئاسة والحزب، على حد تعبير برزان التكريتي، الذي يقول: (وبعد أن أخرجنا البكر من الرئاسة والحزب) لبقي في حماية الضابطين الكبيرين حردان وعماش المتيّمين بحب الشايب إلى حد الجنون، والفدائيين المدافعين عنه إلى آخر نفس، في حين كان حب صدام للبكر مصطنعاً ومزيفاً، يراد به تضليل الأخير وخداعه، وهذا ما حصل.

إن َّ الفترة التي أمضاها أحمد حسن البكر على كرسي الحكم مهمة جداً، ولا بد من دراستها بإتقان وتقصي تفاصيلها، وإبراز معالمها والظروف التي واجهتها، والمخاطر التي مرت بها، وهي ضرورية لمن يريد الوقوف على مراحل الحكم البعثي في العراق، وبالرغم من قصرها، لأنها تشكل قرابة نصف المرحلة التي تلتها من الناحية الزمنية، إلا أنها كانت ممهدة لها، وأهم منها، وإن ّ تسليط الأضواء عليها ومناقشتها ونقدها، يعد بمثابة نقد مرحلة الحكم البعثي برمتها.

وعلى أساس ما تقدم، لا يمكن استثناؤها أو عبورها وتخطيها، لأن الفترة التي تلتها، وتولاها خليفة البكر وابن عمومته صدام، كانت فترة حروب ودمار هائل، ومكشوفة للمتابع، ولا يحتاج أي جهد في وضعها على طاولة النقد والمناقشة والتشريح، وقد استأثرت السنون الماضية التي تلت السقوط المدوي للحكم البعثي في العراق، في تناولها بالتفصيل الدقيق، بعد أن تم ّ التركيز عليها بشكل استثنائي، لأنها حملت من الشر والسوء القسط الأكبر، ومن الظلم والإثم الشيء الكثير، فجاءت الدراسات والتحليلات والبحوث الخاصة بالحكم البعثي ككل، ناقصة وغير مكتملة، نتيجة هذا التركيز المنفرد.

وكتابي هذا محاولة لمعالجة هذا النقص، ودرء هذا الخلل، وأملي أنه سيضع الأمور في نصابها، بإذن الله تعالى، لأني أوليته اهتماماً خاصاً من خلال التركيز على صفات الحاكم - وهو البكر - وعاداته ذات الصلة بعهده وفترة حكمه، وما خلفته، وأفضت إليه، وقد جاء هذا الكتاب المذكور في ستة فصول:ويبحث الفصل الأول عن التخلف في أطوار حياة البكر المختلفة، وقد كان التخلف مزمناً، وقد رافقه من بداية نشأته حتى نهاية مشواره على سطح هذاالكوكب، فهو لم يستطع الإقلاع عنه، أو محاولة ذلك.

حالات متخلفة

وأنا من جانبي حاولت أن أكتشف تلك الحالات المتخلفة عنده، وإبرازها على ضوء انتقاد أبرز مفكري حزب البعث لتلك العادة الراسخة، وأنماط السلوك المتأصلة، وقد اقتبسنا نقداً لاذعاً لها من رسائل مفكر البعث منيف الرزاز، التي بعث بها إلى أولاده من سجنه البغدادي عام 1979 وقبل وفاته فيه، وقد يتبادرإلى الذهن، أن هذا المفكر القومي قد كتب تحت تأثير الأزمة التي ينوء تحت ضغطها، على أساس: إنّ الإنسان ابن لحظته، ولكني وجدت أن هذا الرجل قد أعاد نقدها وذمها وإظهار عيوبها مرة ثانية في تلك الرسائل، لأنه شجبها وأدانها منذ سنوات، وهو يواجه بشجاعةٍ قل نظيرها تجربته المرة في حزب البعث، ويشن حرباً لا هوادة فيها على العشائرية، والوصول إلى السلطة بالانقلاب العسكري، وكان البكر متلبساً بالاثنين.

أما الفصل الثاني، فأطلقت عليه تسمية ساخرة، وتشبه الطرفة اللاذعة: (دودة المؤامرات) وهي ما كان يطلقه عليه خصومه السياسيون، وهي كذلك صفة منتزعة من واقعه انتزاعاً، والبكر كما هو معروف عنه يجيد التآمر وصنع الانقلابات، ولا يضاهيه منافس في هذا الميدان، وهو أشهر من مارسهما منذ تأسيس الدولة العراقية، ومن المفاجآت في هذا الفصل أن أحمد حسن البكر هو أول من تحرك ضد ثورة 14 تموز 1998، وإطاحة حكم الزعيم، وقد كان تحركه هذا قبل أن يدب الخلاف بين قاسم وعارف رجلي ثورة 14 تموز في العراق، وقد بدأه بعد (39) يوماً مضت على نجاح الثورة، وقبل أن يجف حبر بياناتها الأولى.

وفي هذا الفصل تفصيلات كافية وشروح وافية، معززة بالدلالات والتاريخ الدقيق، على تأكيد هاتين الصفتين - التآمر والانقلاب - في شخصية البكر.

قد تكون عناوين فصول الكتاب صادمة ومثيرة للاستفزاز لأول وهلة - وهكذا هو الفصل الثالث - لكنها اختيرت بعناية تامة، ومستخلصة من خصال الرجل وخلاله، وسماته وطبائعه، وقد بذلت جهداً في متابعتها في مضانها جراء القراءة المكثفة عنه، والبحث عمّا يتواءم معها من التراث والواقع الاجتماعي الذي عاشه، وانغمس فيه حتى شحمة أذنيه، وعنوان هذا الفصل مستنبط من كتاب الله العظيم، الذي كان يحلف به البكر مراراً، ويتجرأ عليه كثيراً، وكان حلفه فيه كذباً وزوراً.

وبعد أن تنوعت لديه الأيمان الغليظة، واتخذت أشكالاً متعددة، صار حلافاً بلا أدنى شك، ولما كان يحنث في معظمها، ولا يبالي بالباطل، وظل سادراً في غيّه، يخوض في الزيغ والضلال، ولا يتقي الله في أيمانه الكاذبة، أضفنا إليه كلمة (المهين) التي اتصلت بها في كتاب الله العزيز، وإني على يقين أن من يطلع على هذا الفصل سيجد بين ثناياها وسطوره الجديد الكثير، الذي يدعم بقوة ما ذهبنا إليه في تسمية هذا الفصل بـ (الحلاف المهين).

وكذلك كانت الفصول التالية لا تقل أهمية عن الفصول المتقدمة عليها، وقد نالت العناية ذاتها، من حيث التميّز في تسميتها، وفي كثافة المعلومات المطروحة فيها ونوعيتها.

فالفصل الرابع يحمل اسم المكر والغدر والتخلي عن الأصدقاء، وهي صفات غير خافية على المتابع والباحث الحصيف؛ لأن الشواهد عليها كثيرة، ولا يستطيع أنصار البكر وأقاربه والبعثيون المتأثرون به أن ينفوا وجودها المتجذر في شخصيته، فهي مستحكمة وثابتة، وربما تبناها غيرنا ولكننا أكدناها، وأضفنا إليها، وعمقنا البحث فيها.

دائرة العمالة

أما الفصل الخامس الذي يضع البكر في دائرة العمالة والارتباط بالدوائر الأجنبية، فهو فصل مهم معزز بالوثائق الأجنبية، وتدعمه ممارسات البكر وعلاقاته مع المشبوهين والعملاء، وقد وجد متلبساً بها في مواطن كثيرة.

وختمنا الكتاب بالفصل السادس، وهو بعنوان: إساءاته للمؤسسة العسكرية، وهي على مرحلتين، في الأولى كان مشاركاً مع غيره من أعضاء المجلس الوطني لقيادة الثورة عام 1963، وفي الثانية كان منفرداً، وكان البحث معززاً بالوثائق التي تدينه، ولا يمكن التنصل منها أبداً، ويكاد يكون البكر هو الحاكم الذي أوغل في الإساءة إلى المؤسسة العسكرية في تاريخ العراق المعاصر منذ تأسيس الدولة العراقية.

وقد تصيبنا الدهشة، ونحن نقرأ عن الكاتب حسن العلوي الذي يصف البكر بـ (ابن المؤسسة العسكرية)، وجاء وصفه من موقع المدح والثناء عليه، وفاته أن يكتشف بأنه ابنٌ عاق.

وليس هي المرّة الأخيرة، التي أقول فيها عن كتابي هذا - وفي كل ما كتبت - إنه محاولة ليس إلا، وفيها يظهر ضعف الإنسان ونقصه ومحدوديته، وليس هذا القول من باب التواضع، وإنما هو إيمان راسخ وعميق بنقص الإنسان، وكمال الخالق المطلق العظيم، الكامل بذاته، المتفرد بصفاته، عليه توكلت وإليه أنيب.

 


مشاهدات 49
أضيف 2026/08/23 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/08/24 - 12:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 47 الشهر 29391 الكلي 16119095
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير