الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الفساد في العراق...أزمة بنيوية تهدد مشروع الدولة

بواسطة azzaman

الفساد في العراق...أزمة بنيوية تهدد مشروع الدولة

محمد حسن الساعدي

 

محاربة الفساد في العراق تعد واحدة من أعقد القضايا التي تواجه الدولة والمجتمع منذ عقود، إذ أصبح الفساد متجذراً في مؤسسات الدولة ومرافقها، مما أثر بشكل مباشر على التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي والثقة الشعبية، إذ إن الحديث عن الفساد في العراق لا يقتصر على الرشوة أو الاختلاس، بل يمتد ليشمل المحسوبية، التلاعب بالعقود الحكومية، تهريب الأموال، وضعف الرقابة على الموارد العامة، وكلها عوامل ساهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وإعاقة بناء نظام ديمقراطي فعّال.

لقد أدت سنوات طويلة من الحروب والعقوبات والاحتلال إلى خلق بيئة هشة سمحت بانتشار الفساد بشكل واسع،فغياب المؤسسات الرقابية القوية، وضعف القضاء، وتداخل المصالح السياسية مع الاقتصادية، جعل من الفساد ظاهرة شبه طبيعية في الحياة اليومية،فالمواطن العراقي يشعر أن الفساد يلتهم حقوقه الأساسية، سواء في الحصول على خدمات صحية وتعليمية جيدة، أو في فرص العمل، أو حتى في أبسط حقوقه كمواطن يسعى إلى حياة كريمة،لذلك فإن محاربة الفساد ليست مجرد قضية إدارية أو قانونية، بل هي معركة وجودية تتعلق بمستقبل الدولة العراقية.

الإصلاح ينبغي يبدأ أولاً من تفعيل دور المؤسسات القضائية المستقلة والقادرة على محاسبة الفاسدين مهما كانت مواقعهم، لان استقلال القضاء يمثل حجر الزاوية في أي عملية إصلاح، لأنه يضمن أن لا أحد فوق القانون، كما أن تعزيز دور هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وتزويدهما بالصلاحيات والموارد اللازمة، يعد خطوة أساسية في كشف ملفات الفساد وملاحقة المتورطين فيها،لكن هذه الإجراءات لن تكون فعالة ما لم تترافق مع إرادة سياسية حقيقية، لأن الفساد غالباً ما يرتبط بشبكات مصالح نافذة داخل السلطة نفسها.

من جانب آخر، لا يمكن تجاهل دور مؤسسات المجتمع المدني والإعلام الحر النزيه والغير مجير في فضح الفساد ومساءلة المسؤولين، فالصحافة الاستقصائية والمنظمات الحقوقية تشكل خط الدفاع الأول عن حقوق المواطنين، وهي قادرة على كشف الحقائق التي قد تُطمس داخل أروقة السلطة. كما أن إشراك المواطنين في الرقابة على المشاريع والخدمات العامة يعزز الشفافية ويحد من فرص التلاعب فالمجتمع الواعي والمشارك هو الضمانة الحقيقية لنجاح أي حملة ضد الفساد.

الجانب الاقتصادي أيضاً له دور مهم، إذ أن تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط يحد من فرص الفساد المرتبط بالعقود النفطية والموارد الريعية، ويأتي ذلك من خلال الاعتماد على الإيرادات الغير نفطية وجباية المنافذ الحدودية وهذا ما تحقق من خلال نظام الاسيكودا (ASYCUDA) الجمركي ،كما أن إصلاح النظام المصرفي والمالي، وتطبيق أنظمة حديثة في إدارة الأموال العامة، يسهم في تقليل الهدر والسرقة، لان التكنولوجيا الحديثة يمكن أن تكون أداة فعالة في هذا المجال، من خلال اعتماد الحكومة الإلكترونية التي تقلل من الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وبالتالي تحد من فرص الرشوة.

التحدي الأكبر يبقى في تغيير الثقافة السائدة التي ترى في الفساد وسيلة طبيعية للحصول على الحقوق أو تحقيق المكاسب، وهذا يتطلب برامج تربوية وتعليمية طويلة الأمد، تبدأ من المدارس والجامعات، لترسيخ قيم النزاهة والشفافية والمواطنة الصالحة. فالمجتمع الذي يرفض الفساد أخلاقياً وثقافياً سيكون أكثر قدرة على مواجهته عملياً.

محاربة الفساد في العراق ليست مهمة سهلة ولا يمكن إنجازها بين ليلة وضحاها، لكنها ضرورة لا غنى عنها إذا أراد العراق أن يبني دولة قوية قادرة على تلبية طموحات شعبه، إذ إن نجاح هذه المعركة يتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع معاً، وإرادة سياسية صادقة، وإصلاحات جذرية في النظام الإداري والقضائي والاقتصادي، فالعراق الذي يمتلك تاريخاً عريقاً وموارد غنية يستحق أن يتحرر من قيود الفساد، ليبدأ مسيرة جديدة نحو الاستقرار والازدهار.

 


مشاهدات 37
الكاتب محمد حسن الساعدي
أضيف 2026/08/23 - 2:18 PM
آخر تحديث 2026/08/24 - 1:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 101 الشهر 29445 الكلي 16119149
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير