الإتفاقية الإيرانية - الأمريكية.. ورقة تتحوّل إلى عبء على أصحابها
احمد فكاك البدراني
كنت أدندن مع نفسي واقرض الشعر، فوجدتني اقول قصيدة على شاكلة قصيدة البردوني التي ألقاها بمدينة الموصل في سبعينيات القرن الماضي، بمهرجان ابي تمام تقول قصيدته،
السيف اصدق أنباء من الكتبِ
في حدهِ الحدُ بين الجَدِ واللعبِ
اما ماقلته أنا :
لغةُ الصواريخِ أصدقُ من لغةِ الأوراقِ والكُتُبِ
إنْ لم تُسانِدْها عقولٌ تُحسِنُ الرأيَ والأدَبِ
ثم أشرعت بكتابة هذا المقال:
منذ أن وُقِّعت الاتفاقية التي كان يُفترض أن تفتح صفحة جديدة بين إيران والولايات المتحدة، بدا المشهد وكأنه انتصار للدبلوماسية على طبول الحرب. امتلأت المنابر السياسية بالحديث عن “الاختراق التاريخي”، وتنافست العواصم في الإشادة بما قيل إنه نموذج لحل النزاعات المزمنة عبر الحوار. غير أن الايام اللاحقة أثبتت أن الاتفاقية لم تكن سوى هدنة مؤقتة بين خصمين لم يتخليا يوماً عن الشك المتبادل، ولم تُبنَ على ثقة حقيقية أو رؤية استراتيجية مشتركة.
اليوم، وبعد جولات من التصعيد العسكري، والعقوبات، والهجمات المتبادلة، والمواجهة الأمريكية – الإيرانية التي أعادت المنطقة إلى حافة الانفجار، تبدو تلك الاتفاقية وكأنها وثيقة فقدت قيمتها السياسية، حتى غدت عبئاً على الطرفين، بل ووصمة يتجنب كل منهما الدفاع عنها.
اتفاقية بلا روح
كانت الفكرة الأساسية للاتفاق تقوم على معادلة بسيطة: تلغي البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية. لكن الاتفاق لم يعالج أصل الأزمة، بل تعامل مع أحد أعراضها فقط. فالولايات المتحدة كانت تنظر إلى إيران باعتبارها مشروعاً إقليمياً يتجاوز الملف النووي، بينما كانت إيران ترى أن العقوبات ليست سوى أداة لإضعاف نظامها السياسي، بغض النظر عن طبيعة برنامجها النووي. وهكذا، وُلد الاتفاق وهو يحمل في داخله بذور انهياره.
واشنطن لم تربح
في الداخل الأمريكي أصبح الدفاع عن الاتفاق مكلفاً سياسياً.
فخصومه اعتبروه تنازلاً مجانياً منح إيران فرصة لإعادة بناء اقتصادها، بينما استثمرت طهران الوقت، والموارد المتاحة في تعزيز قدراتها العسكرية، وتطوير برنامجها الصاروخي، وتعزيز نفوذها الإقليمي، والاستعداد للجولة اللاحقة. ثم جاءت الإدارة الأمريكية لتتعامل مع الاتفاق باعتباره عبئاً أكثر منه إنجازاً. وبدلاً من أن يصبح أساساً للاستقرار، أصبح عنواناً للفشل في إدارة العلاقة مع إيران.
وطهران أيضاً لم تربح .. أما إيران فقد اكتشفت أن الاتفاق لم يحقق الوعد الأكبر: إنهاء العزلة الاقتصادية.
فالعقوبات استمرت بصورة أشد.
والاستثمارات الأجنبية تبخرت.
والعملة الوطنية واصلت تراجعها.
والاقتصاد الإيراني ظل أسير العقوبات، بل دخل في مراحل أكثر تعقيداً بعد انهيار التفاهمات.
لذلك لم يعد الشارع الإيراني ينظر إلى الاتفاق باعتباره إنجازاً وطنياً، بل تجربة لم تحقق ما وُعد به المواطن الإيراني.
الحرب كشفت الحقيقة
الحروب لا تختبر الجيوش فقط، بل تختبر أيضاً قيمة الاتفاقيات.
ومع اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، بدا واضحاً أن الاتفاق لم يمنع التصعيد، ولم يؤسس لآليات تمنع الانزلاق نحو الصدام. فالطائرات أقلعت. والصواريخ انطلقت والمنشآت تعرضت للهجمات والعقوبات استمر والمنطقة دخلت مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى.
وفي خضم كل ذلك، بقيت الاتفاقية مجرد أوراق محفوظة في الأرشيف السياسي.
الدبلوماسية التي لم تمنع الحرب
ليست المشكلة في مبدأ التفاوض، فالدبلوماسية تبقى الخيار الأقل كلفة متى توافرت الإرادة السياسية. لكن المشكلة أن الاتفاقات التي لا تستند إلى تفاهمات أعمق بشأن الأمن الإقليمي، وآليات بناء الثقة، والمصالح المتبادلة، قد تتحول إلى استراحة قصيرة بين جولتين من الصراع، لا إلى تسوية دائمة.
لقد أظهرت التجربة أن الاتفاق الذي يركّز على ملف واحد، بينما تبقى بقية مصادر التوتر من دون معالجة، يظل هشّاً وقابلاً للانهيار عند أول اختبار كبير.
الاتفاقية أصبحت عبئاً سياسياً
المفارقة أن الاتفاق لم يعد أحد يتباهى به.
فالولايات المتحدة لا تريد العودة إليه بالشكل المبرم لأنه لا يلبّي أولوياتها الأمنية الحالية.
وإيران لا تستطيع تقديمه للرأي العام باعتباره انتصاراً بعدما عادت العقوبات وتصاعدت الضغوط.
وهكذا أصبح كل طرف يتعامل مع الاتفاق باعتباره مرحلة انتهت، لا نموذجاً يُحتذى. ويمكننا القول، ربما لم تمت الاتفاقية قانونياً، لكنها فقدت حياتها السياسية.
لقد أثبتت التجربة أن الاتفاقات التي تُوقَّع تحت ضغط الضرورة، من دون معالجة جذور الصراع، تعيش على أجهزة الإنعاش حتى تأتي أول أزمة فتسقطها. ولذلك، فإن الاتفاقية الإيرانية لم تُنهِ الخصومة، ولم تمنع المواجهة، ولم تُحقق استقراراً دائماً، بل تحولت مع مرور الزمن إلى عنوان لفرصة ضائعة، وإلى درسٍ في أن السلام الحقيقي لا يُبنى على أوراق التفاهم وحدها، بل على إرادة سياسية راسخة، وثقة متبادلة، وتوازن مصالح يجعل الالتزام بالاتفاق أكثر جدوى من الانسحاب منه. وفي غياب هذه العناصر، قد تتحول الاتفاقيات من جسورٍ للعبور إلى شواهد على عجز السياسة عن ملاحقة إيقاع الأحداث.
واختتم المقال ببيتين من الشعر الذي دندنت به فولد المقال..
فكمْ بيانٍ ضاعَ في لَغَطِ المجالسِ والخُطَبِ وكمْ قرارٍ شادَ مجدًا حينَ أُسنِدَ بالسَّبَبِ
إذا اقترنَتْ قوةُ الأوطانِ بالحِلمِ المُهذَّبِ
غدتِ السياسةُ رايةً تُبنى بها قممُ الرُّتَبِ.