بعد عقود من تساؤل جبرا.. هل عثر الروائي العربي على موضوعه الكبير؟
نوزاد حسن
لم يكن تساؤلا عاديا ذاك الذي طرحه جبرا ابراهيم جبرا في كتابه الرحلة وهو يتحدث بلغة نقدية صريحة عن كثرة ما يصدر من اعمال روائية دون ان يكون للكثير منها اية ميزة.يشير جبرا الى «الجزء الاكبر مما يكتب بالعربية اليوم مراهقا تافها لا عضل له ولا عصب»(!)
تبدو لغة جبرا النقدية قلقة من ركود لغوي وجمالي لا تحرره الا الانطلاقة نحو افق لغته اكثر جمالا واضاءة.هذا في حقيقة الامر ما يمكنني قوله وانا اقرأ سيل المفردات المتعلقة بالجسد,وكأن جبرا يحلم بوجود ادب راقص حي له رشاقة لاعب باليه.
موضوع كبير
اذن هناك نقص بين في الرواية العربية يشخصه جبرا بخلو هذه الرواية من الموضوع الكبير.فما هو هذا الموضوع الكبير الذي يراه جبرا واضحا في ادب الغرب دون ان يلاحظه في اكثر الكتابات التي تنشر على انها قصص وروايات.يقول»الموضوع الكبير في كل فن متكامل هو في النهاية موضوع ماساوي.انه الموضوع المنبثق عن حس الانسان الماساوي بالحياة,ولعل اداب الغرب من مآسي اسخيلوس الروايات وليم فوكنر توحي لنا بمثل هذا الراي»(2)
هذا الاقتباس الطويل بعض الشيء سيضع القاريء امام اهم مشكلة او نقص تعاني منه الرواية العربية.لقد اشرت في مقال سابق الى قضية نقدية تتعلق بعدم وضوح موقف الروائي العربي من الواقعية السحرية على الرغم من حضور لافت لادب امريكا اللاتينية وبترجمات عديدة ما تزال تصدر ولاكثر من مترجم.الان يضعنا جبرا امام قضية اخرى لم يتوقف عندها النقاد والروائيون على الرغم من اهمية ما طرحه قبل عقود. اعتقد ان اجراء حوار نقدي مع جبرا مهم لنصل الى وعي بمشكلة الرواية العربية.واظن ان افضل مدخل لهذا الحوار هو تفكير جبرا القريب جدا من التفكير الوجودي كما عبر عنه الفيلسوف الاسباني ميغيل دي اونامونو.وفي الحقيقة لم استطع تجاوز هذا التاثر الواضح جدا الذي عبر عنه جبرا بحديثه عن الحس المأساوي بالحياة,وكانه يشير الى كتاب اونامونو الرائع المعنون «بالشعور الماساوي بالحياة».لست اشك في مدى دقة الصلة بين الحس الماساوي بالعالم وبين ما طرحه اونامونو في كتابه.فهناك نقد لاية نزعة عقلانية تحاول ان تسيطر على الوجود من خلال تفكير منطقي مبني على مقولات جامدة.وهذا ما جعل اونامونو يسخر من ديكارت ويصفه بفيلسوف المدفأة.
ان تساؤل جبرا صادم بشأن فن الرواية الذي يعده جبرا فنا اوروبيا,وهنا سيشكل تساؤله مشكلة كبيرة على الروائي العربي ان يواجهها بفهم عميق.فاذا كانت الرواية فنا اوروبيا فهل تستطيع الرواية العربية الا ان تكون استمرار للرواية الاوربية.بكل تاكيد تكمن خطورة هذا السؤال في تاثر الروائي العربي بفن الرواية كما يكتبها الغربيون.وهنا سيكون على النقد ان يبحث عن مرجعيات الروائي العربي ليكشف الى اي حد كان هذا الكاتب اصيلا ام مقلدا.ولن اجد نفسي مبالغا لو اتفقت مع جبرا واضفت لقوله رايا قد يبدو غريبا للبعض ممن يرون ان كل رواية تصدر فهي عمل ابداعي يستحق الاشادة,ويستحق ان يقدم في اصبوحة ومن ثم يناقش امام حشد من الحضور.ساتحفظ كما تحفظ جبرا قبل عقود حين اشار الى ان غالبية ما ينشر من قصص وروايات هو بلا قيمة.واليوم استطيع القول ان حمى النشر زادت بوتيرة اعلى كما هو معلوم للجميع عما كان ينشر في ايام جبرا.لكن هل نستطيع ان نقول بعد كل هذه الاعوام ان الرواية العربية امتلكت موضوعها الكبير.في الواقع حاول جبرا انقاذ الرواية العربية حين علق في هامش مقاله عن الموضوع الكبير قائلا ان روايتين صدرتا تحملان سمة روائية تستحق الاعجاب وهما رواية موسم الهجرة الى الشمال للطيب صالح,ورواية الرجل الذي فقد ظله لفتحي غانم.اشاد جبر على الاخص برواية الطيب صالح اشادة كبيرة.ومع هذا الانقاذ النقدي للرواية حاول جبرا ان يعطي الروائي العربية املا قويا في ان يجد صوته الخاص به حين وضع ناقدنا الكبير عددا من المصادر في التراث العربي تحمل نواة للقص,وذكر الف ليلة وليلة والتوراة والانجيل.وهذه نقطة خلاف بين النقاد اذ يرى البعض وفي مقدمتهم ادوارد سعيد ان كل الموروث السردي القديم لم يتطور الى شكل روائي كما حدث في الغرب.أما اعتراضي الشخصي الذي اسجله هنا فهو يتعلق بعدم ذكر النص القراني كاحد اهم المصادر الاكثر اهمية الى جانب ما ذكره جبرا من موروث.
هل عقّد جبرا مهمة الروائي العربي حين وضعه اما تجارب سردية قديمة وطلب منه ان يتعلم منها كيفية الكتابة عن هممومه المعاصرة؟
قلعة الوجود
هل سيكون امرا عاديا ان يعثر كاتب من الكتاب عن حسه المأساوي بالعالم ثم يقوم هذا الحس المليء بقلق الوجود بصنع تقنية روائية صادمة كما فعلت رواية الغريب بسارتر مثلا؟
ان السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو:هل يريد جبرا ان يضع الرواية العربية في مرتبة الرواية بعد ان كشف عن احد عيوبها الخطيرة؟
الاجابة عن ذلك السؤال توجد في حل لا يبدو بسيطا ابدا.على الروائي العربي ان يواجه ماساته.ثم ينقل جبرا عن ارسطو تعريفه للمأساة بانها»تصوير الفرد وهو يجابه القوى الكبرى»(3)
ها نحن نعود لجو كتاب الشعور الماساوي بالحياة.القوى الكبرى مثل ماذا.الموت مثلا.او عدم الاكتفاء بحل يقيني عقلي واحد,او رغبة في رؤية حقيقة العالم التي تتغير بصورة سريعة ومقلقة.
يبدو ان قوى الكون تتخفى في اكثر من ثوب,وعلى الروائي ان يواجهها بوعي مختلف لا بوعي يخضع لقانون السبب والنتيجة.ولا اظن ان هذه المواجهة تتعلق بقرار شخصي يختاره الروائي.ان هذه المواجهة تتطلب احساسا قويا بالعالم بحيث تضعف قدرة العقل امام هذا الاحساس.وكما اظن هذه هي رسالة اونامونو في كتابه الشعور الماساوي بالحياة.
اذن بعد كل ما قيل هل يمكننا تاويل قضية الموضوع الكبير تأويلا نفهم من خلاله ما ارد جبرا ان يقوله لنا.
قبل كل شيء سيخطيء من يظن ان الموضوع الكبير وعلاقته بالرواية العربية هو جزء من جدل قديم اثاره القدماء واختلفوا فيه اذ راى بعضهم ان الفضيلة للفظ فيما راى اخرون ان الفضيلة للمعنى.ظاهريا قد يبدو الموضوع الكبير هو المعنى لكني لا اراه كذلك.الموضوع الكبير هو نقد تقدمي لو جاز القول لاية محاولة لعزل الادب عن الحياة والاهتمام بسياق النص والمبالغة في تحليل السياق النصي دون الانتباه الى العالم وما يمكن ان يصنع من الانسان كائنا مشاركا في هذا العالم المعقد.ولا اعرف الى حد ساكون دقيقا ان قلت ان الموضوع الكبير هو رؤية ناقد احس بان ما سيفعله الجيل الستيني هو سعي للعناية بكيفية القول دون الاهتمام بما سيقال او بالموضوع الكبير.
هل شاهد جبرا بعيني بصيرته قبل عقود حال الرواية العربية والنقد الشكلي الغارق بمصطلحات البنيوية واللسانية المتاثر بالنقد المغربي الذي افرغ النص من اية محاولة تعيد للحياة وزنها او تعيد لقوى الكون تاثيرها الكبير في الروائي الذي اخفى مصادره التي تاثر بها؟
□ □ □
-1جبرا ابراهيم جبرا,الرحلة الثامنة,المؤسسة العربية للدراسات والنشر,الطبعة الثانية 1979ص69
2 - مصدر سابق ص70
3 -مصدر سابق ص71