الشعائر الحسينية.. بين قداسةِ المظهر وحرمةِ المالِ العام
محمد خضير الأنباري
تعدُ شعائر الإمامِ الحسينِ (عليهِ السلام) منْ أعظمِ الشعائرِ الدينيةِ التي تجسدُ قيم الإيمان، والتضحية، والإصلاح، وإحياء مبادئِ الحقِ والعدلِ التي استشهدَ منْ أجلها في واقعةِ كربلاء، ولمْ تكنْ هذهِ الشعائرُ في يومٍ منْ الأيامِ مجردَ طقوسٍ ومظاهر، بلْ هيَ مدرسةٌ أخلاقيةٌ وتربويةٌ تدعو إلى صيانةِ الحقوق، واحترامِ كرامةِ الإنسان، والالتزامِ بالقيمِ التي نادى بها الإمامُ الحسينُ (ع) .
منْ هذا المنطلق، فإنَ قداسةَ الشعائرِ لا تكتملُ إلا إذا اقترنتْ باحترامِ المالِ العام، والمحافظةِ على حقوقِ الناس، لأنَ رسالةَ الحسينِ (ع) هيَ رسالةُ إصلاحٍ وعدلٍ ونزاهة، لا رسالةَ مظاهرِ تخالفِ جوهرِ مبادئه، فلا سلامَ على منْ جعلَ الشعارات ستارا، واتخذَ منْ النفاقِ منهجا، ومنْ الاعتداءِ على حقوقِ الناسِ وسيلة لتحقيقِ مصالحه. ولا سلاما على منْ يرفعُ رايةَ الحقِ بلسانه، ثمَ يهدمها بسلوكه، ويتحدثُ عنْ النزاهة، وهوَ غارق في الفساد، ويعلنُ حبه للإمامِ الحسينِ (ع) وهوَ بعيد عنْ نهجهِ القائمِ على العدلِ والأمانةِ ومواجهةِ الظلم.
مدرسة خالدة
إنَ الإمامَ الحسينَ (ع ليسَ مناسبة موسمية، ولا مظهر إعلاميا، ولا شعار يرفعُ عندَ الحاجة، بلْ هوَ مدرسة خالدة في الإصلاحِ والكرامةِ والثباتِ على الحق، فقدْ خرجَ لإصلاحِ أمةِ جده، رافضا الظلم والانحراف وتحويل السلطةِ إلى أداةٍ للاستبدادِ وسلب الحقوق، كما عبرَ عنْ ذلكَ بقولهِ الخالد: « إني لمْ أخرجْ أشرا، ولا بطر، ولا مفسد، ولا ظالم، وإنما خرجت لطلبِ الإصلاحِ في أمةِ جديْ «. لقدْ علمَ البشرية أنَ المسؤوليةَ الأخلاقيةَ تفرضُ الوقوفَ بوجهِ الظلم، وأنَ السكوتَ عنْ الفسادِ مشاركةٌ فيه. منْ هنا، فإنَ الانتماءَ الحقيقيَ إلى الحسينِ لا يكونُ بكثرةِ الشعاراتِ أوْ المظاهر، وإنما بالالتزامِ بقيمهِ في الحياةِ اليومية؛ فالإنسانُ يعرفُ بأمانتهِ وعدلهِ ونزاهتهِ واحترامهِ لحقوقِ الآخرين، لا بما يعلنهُ منْ شعارات، فكيفَ يدعي السير في طريقِ الحسينِ منْ يعتدي على المالِ العام، أوْ يستغلُ منصبه لتحقيقِ منفعةٍ شخصية، أوْ يظلمُ الناس، أوْ يسلبُ حقوقهم؟ إنَ المالَ العامَ أمانة، والمنصب مسؤولية، والسلطة تكليفا لخدمةِ المجتمعِ لا وسيلةً للثراءِ أوْ الانتقامِ أوْ تحقيقِ المصالحِ الخاصة.
لقدْ أكدَ القرآنُ الكريمُ هذهِ المبادئَ بقولهِ تعالى:( ولا تلبسوا الحقَ بالباطلِ وتكتموا الحقَ وأنتمْ تعلمون) البقرة: 42 ، وقوله سبحانه: ( إنَ اللهَ يأمركمْ أنْ تؤدوا الأماناتِ إلى أهلها وإذا حكمتم بينَ الناسِ أن تحكموا بالعدل) النساء: 58.
إن هذهِ هيَ القيمُ التي استشهدَ الإمامُ الحسينُ دفاعا عنها، فلا يجوزُ أنْ تتحولَ سيرتهُ إلى غطاءٍ يختبئُ خلفهُ الفاسدونَ أوْ المتاجرونَ بالدين. ولذلكَ فإنَ أعظمَ الوفاءِ للحسينِ ليسَ في الصورِ واللافتات، وإنما في صيانةِ المالِ العام، وردِ الحقوقِ إلى أصحابها، ومقاومةِ الفساد، والصدقِ في أداءِ المسؤولية، والوقوفِ معَ المظلوم. لذلك، فإن الفرقُ كبيرٌ بينَ منْ يرفعُ اسم الحسين، ومنْ يحملُ مبادئه؛ فالأول يبحثُ عنْ المظهر، والثاني يترجمُ القيم إلى سلوك، فالأولُ قدْ يكثرُ منْ الكلام، أما الثاني، فلا يظلم، ولا يخونُ الأمانة، ولا يبيعُ الحقّ منْ أجلِ منفعة. لقدْ أصبحتْ ثورةُ الإمامِ الحسينِ رمزا عالميا للحريةِ والكرامة، لأنها جسدتْ التضحيةَ منْ أجلِ الحق، لا منْ أجلِ السلطةِ أوْ المكاسب، لذلكَ بقيتْ حيةً في ضميرِ الأحرارِ منْ مختلفِ الشعوبِ والأديان، لأنها تمثلُ موقفا أخلاقيا وإنسانيا خالدا في مواجهةِ الظلمِ والاستبداد.
إنَ طريقَ الحسينِ(ع) يبدأُ بإصلاحِ النفس، واحترامِ القانون، وأداءِ الأمانات، وردِ المظالم، والابتعادِ عنْ المالِ الحرام، والالتزامِ بالعدلِ في التعاملِ معَ الناس، فمنْ أرادَ أنْ يكونَ حسينيا حق، فليكونْ أمينٌ في عمله، نزيها في مسؤوليته، عادلاً في حكمه، ومخلصا في أداءِ واجبه، وليتذكرَ قوله تعالى: ( إنَ اللهَ لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم) . السلامُ على الإمامِ الحسين، الذي بقيتْ ثورتهُ نبراسا للعدلِ والكرامة، وعلى أهلِ بيتهِ وأصحابهِ الذينَ قدموا أعظم صورِ التضحيةِ في سبيلِ الحق، وسيظلُ إمامنا الحسين(ع) مبدأ يعاش، لا شعارَ يرفع، وطريقا للإصلاح، لا غطاءٌ للفساد، ورمزا للعدالة، لا وسيلةً لتبريرِ الظلمِ أوْ التسترِ على الاعتداءِ على حقوقِ الناس.