الهلال يرحل دون وداع
أحمد جاسم الزبيدي
هناك لحظات في العمر تجعل الإنسان يعيد النظر في معنى الحياة كلها. فكلما تقدم بنا العمر أدركنا أن الزمن الذي كنا نستعجله في الصبا أصبح أثمن ما نملك. كنا نحلم أن نكبر سريعًا، أما اليوم فنرجو من الأيام أن تتمهل قليلًا، وأن تمنحنا فرصة أخرى لنقضيها بين الأحبة والأصدقاء والأحفاد.
ولعل أقسى ما يواجهه الإنسان في هذه المرحلة من العمر أن يرى الوجوه التي أحبها ورموز جيله تتساقط الواحد تلو الآخر، تاركة وراءها فراغًا لا يملؤه شيء.
أعيش في طشقند، عاصمة أوزبكستان، ومنزلي يقع بالقرب من مقبرة «خزر آباد» العريقة. وفي كل يوم تقريبًا أمر بجوارها في طريقي إلى السوق. ورغم أنها مقبرة، فإنها تبدو أشبه بحديقة غنّاء تتناثر فيها الأشجار والزهور، ويتوسطها مسجد تُقام فيه صلاة الجنازة.
لكن ما يلفت انتباهي دائمًا ليس جمال المكان، بل ذلك المشهد الإنساني العميق الذي يتكرر كل يوم. فما إن تصل جنازة حتى تتوقف السيارات، وينزل السائقون والركاب والمارة على عجل، يتسابقون لحمل النعش. لا أحد يسأل: من المتوفى؟ وما منصبه؟ وما مكانته الاجتماعية؟ فالكل يدرك أن المشاركة في تشييع الميت واجب إنساني وقيمة دينية متجذرة في الوعي الاجتماعي.
في السنوات الأولى من إقامتي هنا كنت أظن أن هذا الحشد لا يكون إلا لكبار المسؤولين أو الشخصيات المعروفة، لكنني اكتشفت أن الأمر يتعلق بثقافة مجتمع ما زال يحتفظ بقيمه وتقاليده، ويؤمن بأن تكريم الإنسان لا يبدأ بعد موته فحسب، بل يستمر حتى لحظة وداعه الأخيرة.
ومن هنا جاء ألمي وأنا أشاهد صور تشييع الفنان العراقي الكبير فاروق هلال.كان المشهد صادمًا.نعش يحمله ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط، وصمت يحيط برحيل رجل أمضى عمره في خدمة الأغنية العراقية، ملحنًا ومغنيًا وصاحب بصمة لا تخطئها الذاكرة. رجل أسهم في رسم جزء من وجدان العراقيين، ورافق صوته وألحانه أفراحهم وأحزانهم لعقود طويلة.
عندها وجدت نفسي أتساءل:
هل أصبح الوفاء عملة نادرة إلى هذا الحد؟ وأين المؤسسات الثقافية التي يفترض أن تحفظ مكانة مبدعيها؟ وأين نقابة الفنانين؟ وأين زملاء الدرب الطويل؟ وأين الجمهور الذي طالما ردد أغانيه وصفق لإبداعه؟
لا يتعلق الأمر بعدد المشيعين بقدر ما يتعلق بالرسالة التي يبعثها هذا المشهد. فالأمم الحية لا تكرم مبدعيها في المهرجانات فقط، بل تكرمهم أيضًا عند الرحيل. فطريقة وداع الرموز الثقافية تعكس مستوى احترام المجتمع لذاكرته وتاريخه وقيمه.
لقد أصبح من المؤلم أن نرى بعض الفنانين والأدباء والمفكرين يرحلون في صمت، وكأنهم لم يتركوا أثرًا في حياة الناس. وما إن يوارى أحدهم الثرى حتى تبدأ عبارات الرثاء على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما كان الأجدر أن يتحول هذا الوفاء الافتراضي إلى حضور حقيقي في لحظات الوداع الأخيرة.
سمعت أن فاروق هلال عاش حياته أعزبًا. وقد لا تبدو هذه المعلومة مهمة للبعض، لكنها تجعل المشهد أكثر إنسانية وأشد إيلامًا. فالرجل الذي منح الفن سنوات عمره كلها، رحل في نهاية المطاف محاطًا بقلة من المشيعين، وكأن القدر أراد أن يختبر مقدار الوفاء الذي بقي في نفوسنا.
كان اسمه «هلالًا»، والهلال حين يطلع إلى السماء تتجه إليه الأبصار جميعًا. أما هذا الهلال فقد غاب بهدوء، وغاب معه سؤال موجع سيبقى معلقًا في الذاكرة:
كيف نسمح لرموزنا الثقافية والفنية أن ترحل بهذه الغربة، وهي التي منحتنا أجمل ما في العمر من أغانٍ وذكريات؟
رحل فاروق هلال، لكن القضية لا تتعلق برحيل فنان واحد، بل بثقافة كاملة تحتاج إلى مراجعة. فالمبدعون لا يطلبون منا شيئًا بعد رحيلهم سوى أن نتذكرهم بما يليق بعطائهم، وأن نحفظ أسماءهم من النسيان.
سلامٌ على روح فاروق هلال، وسلامٌ على كل مبدع رحل بصمت، تاركًا أعماله تتحدث عنه في زمن أصبح فيه الصمت أبلغ من كثير من الكلمات.