الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما الذي تبقّى من العراق؟


ما الذي تبقّى من العراق؟

{كوميديا سوداء… لأن البكاء أصبح مهنة مكتظّة}!

شوقي كريم حسن

 

كان العراق في الماضي يُسمّى أرض السواد، لا لأن الحزن  يسكنه، بل لأن خيره  يكسو الأرض. واليوم صار السواد من نوع آخر؛ سوادُ نشرات الأخبار، وسوادُ انقطاع الكهرباء، وسوادُ الوجوه التي حفظت الوعود أكثر مما حفظت أسماء أبنائها.نسأل، بكل براءة طفل صدّق كتاب القراءة:—ما الذي تبقّى من العراق؟

تبقّى النهر… لكنه ينتظر المطر وكأنه موظف ينتظر راتبه…تبقّت النخلة… لكنها صارت أطول من أحلام أصحابها.

تبقّى النفط… ذلك الكنز الذي يعرف طريقه إلى كل مكان… إلا جيب المواطن.تبقّى البرلمان… المؤسسة الوحيدة التي تتكاثر فيها الكراسي أكثر من الحلول.تبقّى السياسيون… يختلفون في كل شيء، ثم يتفقون على أن المواطن شديد التحمّل، وكأنه بطارية لا تنفد.تبقّى الشارع العراقي

ذلك الكائن العجيب الذي يضحك وهو غارق في الهم، يقدّم الشاي لضيفه قبل أن يسأله إن كانت المياه قد وصلت إلى بيته.العراقي لا يحتاج إلى ساعة ذكية؛ يكفي أن ينظر إلى جدول الكهرباء ليعرف أن الزمن متوقف.

ولا يحتاج إلى أفلام خيال علمي؛ فكل موسم انتخابات يقدّم حبكة لا يجرؤ هوليوود على إنتاجها.

وإذا سألت أحدهم:—كيف الحال؟

يجيبك بابتسامة:—الحمد لله… ما زلنا نؤجل الانهيار إلى إشعار آخر.

ومع ذلك…ليس العراق خرائط وحدودًا وآبار نفط.العراق هو  المعلم الذي ما زال يشرح رغم ضيق الحال.

هو الطبيب الذي يسهر.و الجندي الذي يحرس.و الأم التي تقسم الرغيف نصفين وتقول لأطفالها إنها شبعانة.

و الشاب الذي يزرع شجرة وهو يعرف أن غيره سيجلس في ظلها.لهذا

لا نسخر من العراق، بل نسخر من   حاول جعل العراقي يعتاد القبح.

الساخر الحقيقي ليس من يضحك على وطنه،بل من يضحك في وجه اليأس حتى لا ينتصر.ويبقى السؤال معلقًا

ما الذي تبقّى من العراق؟

إذا أجبت: —لا شيء

فقد ظلمت العراق.

وإذا أجبت: —كل شيء بخير

فقد ظلمت الحقيقة.

 الجواب الأقرب هو:—تبقّى شعبٌ لا يزال، رغم كل ما مرّ به، يصرّ على أن يزرع وردةً في شقوق الخراب… وكأن الأمل آخر معاقل السيادة.ثمّة سؤال لا يجرؤ أحد على طرحه في المؤتمرات، لأنه يفسد صور الابتسامات الجماعية:

هل أصبح العراقي يتأقلم مع الكارثة أكثر مما يقاومها؟

 صار انقطاع الكهرباء موسماً من مواسم السنة.وصار ارتفاع الحرارة خبراً عادياً.و الفساد كلمةً فقدت قدرتها على إثارة الغضب، مثل إعلان مملّ يتكرر كل يوم.العجيب أن العراقي لا يزال يملك حس الدعابة.حين تنقطع الكهرباء يقول:—الحمد لله… على الأقل المكيف لن يتعب.!

وحين تتعطل شبكة الإنترنت يقول:

ربما الحكومة قررت أن نلتقي بعائلاتنا.!

وحين يسمع وعداً انتخابياً جديداً، لا يسأل: —كيف؟

بل يسأل:—أي موسم انتخابي هذا؟

لقد تحولت الوعود إلى نوع من الأدب الخيالي.لدينا مدن تحتاج إلى إعادة إعمار،لكن الخطابات تُبنى أسرع من الجسور.ولدينا شباب يبحثون عن فرصة،لكن الوظائف تُولد وهي تحمل أسماء أصحابها مسبقاً.حتى الفساد أصبح يشعر بالملل.لو استطاع الكلام لقال:—أيها السادة… جدّدوا الأساليب قليلاً!

أما المواطن…هو الكائن الوحيد الذي يدفع ثمن الوقود وهو فوق بحرٍ من النفط.ويدفع ثمن الماء وهو يجلس بين دجلة والفرات.ويدفع ثمن الأمان وهو يحرس نفسه بنفسه.ثم يخرج في نهاية اليوم ليقول بابتسامة:—الحمد لله… الأمور ماشية.

أي أمور؟

وأين تمشي؟

ربما تمشي وحدها، لأن المواطن منذ سنوات واقف في المكان ذاته.ومع ذلك…كلما ظنّ الخراب أنه انتصر،

خرج طفل يحمل حقيبته إلى المدرسة.وزرع فلاح نخلة جديدة.

وفتح شاعر دفتراً جديداً.وغنّى شاب في مقهى شعبي.وكأن العراقي يرسل رسالة إلى التاريخ يقول فيها:—لن أعطيكم متعة رؤيتي أستسلم.!

ليس المطلوب أن نكتب قصائد تمجيد،ولا أن نكتب بيانات يأس.

المطلوب أن ننظر في المرآة.أن نعترف بأن الوطن لا ينهض بالخطب،ولا بالشعارات،ولا بصور المسؤولين المعلقة أكثر من إشارات المرور.

الوطن ينهض حين يصبح القانون أقوى من الاسم،والكفاءة أعلى من الواسطة،والإنسان أغلى من الصفقة.

وفي النهاية…ما الذي تبقّى من العراق؟

تبقّى شيء لا تستطيع سرقته أي حكومة،ولا بيعه أي تاجر،ولا تزويره أي إعلام.تبقّى العراقي… الإنسان الذي ما زال يضحك وهو يحمل وجعاً لو وُزِّع على الجبال لانحنت.لكن احذروا…حتى أكثر الشعوب صبراً،إذا شعرت أن وطنها يُسرق أمام عينيها،لن يبقى الضحك نكتة…بل يصبح سؤالاً كبيراً:

من سرق المستقبل؟

(يتبع)

 


مشاهدات 25
الكاتب شوقي كريم حسن
أضيف 2026/07/29 - 3:15 PM
آخر تحديث 2026/07/30 - 1:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 113 الشهر 32677 الكلي 15997803
الوقت الآن
الخميس 2026/7/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير