الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
يوميات مقهى ماريا في ميلانو

بواسطة azzaman

يوميات مقهى ماريا في ميلانو

نعيم عبد مهلهل

 

وجدتُ مقهى ماريا مصادفةً وأنا أتجول سيرًا على الأقدام، خلال زيارتي لمدينة ميلانو الإيطالية، في حيٍّ سياحي يُطلق عليه اسم «نافيجلي - Navigli».

هذا الحي يخترقه نهر صناعي، فبدا كأنه أحد أحياء فينيسيا المائية. مياه هذا النهر راكدة، لكن ذائقة بلدية المدينة حوّلته إلى مكان سياحي جميل.

هناك وجدتُ مقهى «ماريا»، تملكه سيدة إيطالية في الخمسين من عمرها، زيّنت جدرانه بصور فلاسفة روما القدماء، ووضعت بين كل صورة وأخرى صورةً للممثلة صوفيا لورين.

ماريا تتحدث الإنجليزية بطلاقة، فسألتها عن سر وجود صوفيا لورين بين صور الفلاسفة؟

أجابت بأنها تشعر أن جمال صوفيا لورين هو الذي أيقظ الفلسفة في رؤوس الإيطاليين.

فقلتُ لها: وبسبب الحروب أيضًا؟

قالت: لا أحب يوليوس قيصر، على الرغم من أنه إيطالي، لكنه اختار لقلبه كليوباترا المصرية ولم يختر صوفيا لورين...

وحين سألتها: لماذا أنتِ وحدكِ، من بين عشرات المقاهي هنا، من تبيع القهوة فقط ولا تبيع البيرة؟

قالت: صحيح أن الجعة تُدرُّ ربحًا جيدًا للمقهى، لكنني أريد أن أكسب أُناسًا يأتون إلى هنا ليتأملوا ويكتبوا الشعر. أنت لا تعرف متعة أن تُقدّم فنجان قهوة لشاعر سيكتب قصيدته هنا، وعندما ينتهي منها يُذيّلها باسم المقهى «ماريا أفينشي مارسيلو». والأجمل أن كثيرًا من الشعراء، عندما يطبعون دواوينهم التي تضم قصائد كُتبت هنا، يُقدّمون لي نسخًا مُهداة، لهذا أسستُ في ذلك الركن مكتبةً فيها قصائد مقهى ماريا أفينشي مارسيلو.

قلتُ: أملك الرغبة في كتابة قصيدة، ولكن بلغتي الأم.

سألتني: هل أنت من مراكش؟

قلتُ: كلا، أنا من مدينة اسمها الناصرية، في جنوب العراق.

انتفضتْ بحزن، وارتعشت أجفانها وكتفاها بقوة، وقالت: من الناصرية التي قُتِل فيها أخي أنطونيو؟

قلتُ: نعم، التي قُتِل فيها أنطونيو. لكن المدينة لم تكن سببًا في موته، بل إرهابيون غرباء. ربما هذا الانتحاري الذي قتل أخاكِ جاء من قندهار في أفغانستان.

قالت: هل تُحب السياسة؟

قلتُ: كلا.

قالت: سأُغيّر مسار الحديث إذن، ولكن عليك أن تفعل شيئًا واحدًا: أن تتقدّم نحوي الآن وتمسح بمنديلك هذه الدمعة التي على خدي، ثم تمضي لتكتب قصيدتك بأي لغة، لكن لا تنسَ أن تُوقّعها باسم مقهى ماريا أفينشي مارسيلو. وبعد عام، صدر لي ديوان شعر فيه قصيدة كتبتها في مقهى ماريا، فأرسلتُ لها ثلاث نسخ بالبريد. وبعد شهر، جاءني الرد من ماريا: «شكرًا لك، لقد عرفتُ القصيدة التي كتبتَها في مقهاي حتى دون الاستعانة بمترجم، والمنديل الذي مسحتَ به دمعتي ما زال معي، وسأحتفظ به مدى الحياة.

 


مشاهدات 20
الكاتب نعيم عبد مهلهل
أضيف 2026/07/29 - 3:09 PM
آخر تحديث 2026/07/30 - 1:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 99 الشهر 32663 الكلي 15997789
الوقت الآن
الخميس 2026/7/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير