الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ثقافة الجمال في الميثولوجيا الرافدينية لبتول الفكيكي

بواسطة azzaman

ثقافة الجمال في الميثولوجيا الرافدينية لبتول الفكيكي

نعيم عبد مهلهل

 

ترتقي الأنوثة في أحلامها حين يُقدَّر لها أن تكون كاهنةً في معابد الغناء أو اللون أو معمار البيوت التي تتكئ في شهوات هندستها على الطين أو الرخام، أو الإناث اللاتي يمشين بقوام النخلة على مصاطب حياتنا وهنّ يعرضن فتنة حواء في إغواء آدم، ليؤسس للمدن إيقاعَ أحلامها ومقاهيها وجنونها وغرامها الأزرق.

هذا الرقيُّ يُسجِّل في تواريخ عاطفته تاريخَ حلم الوجود، منذ إشارات الرمش حول الجهة التي تقع فيها عادٌ ودلمون وأعشاش عصافير الضوء، وتلك اللحظة الحميمة التي تحمل الرجل ليأخذ أنثاه إلى أبعد المناطق الدافئة في صدره وشفتيه وعطره.

يؤثر المكان بطقوسٍ مثل هذه، ويكبر فيه فضاءُ تخيُّل الجمال حين تكون لهذه الأنوثة الريادة في خلق الطاقة الحضارية لنشوء سلالات الحلم والطين ورائحة المنادمة الخالدة على أرائك الحنين ومصاطب الصلوات، أو على حجر المسلات حيث تنقل النساء، منذ أن أرخى نوحٌ حبال سفينته إيذاناً بالرحيل، أن تكون زوجُه عرّافةَ الوصل بين الكائنات المسافرة معه. وهكذا كان الذي يكون ويكون، دهشةُ المرأة أنها تغيّر مسارات الحياة بحركة رمشها أو أصابعها أو شفتيها أو ريشتها. هكذا تبوح اللوحات سرَّها وحزنها وعاطفتها.

مسافاتٌ من الرؤيا والخيال والانسجام مع الزمن في الرجوع إلى منابع ضوءٍ سالفٍ، يطغى على رغبة اللون قدرةٌ سحرية وانسجامٌ وغفوةٌ على أرائك الأساطير، لتظهر الصورة مغمسةً بالزيت والدهشة ونقطةَ الولوج إلى مخادع عشتار وشبعاد وسميراميس وأول كاهنات معابد القصب والطين ودموع الحزن السومري.

عالمٌ من الأخيلة والأضواء والديالكتيك الذي تشيده ملامح الملكة في جعل رسومها لغةً لقصائد بوح الروح النائية في أزمنة المشاحيف والقطارات ودقات ساعة بيغ بن. مشيٌ على إيقاع الريشة يُرينا جمالية إيقاع أصابع أنوثة الباليه، أو تلاوةٌ لنبوءات العرّافين في حضرة سرجون الأكدي.

مشيٌ يصنع في ذاكرة التلقي متعة المشاهدة والسماع والتذوق والغرق. وأمي تقول: حين تخرق بحيرة النوم اجعل قاعك ابتسامات امرأةٍ حالمة. وحتماً الموسيقى والرسم وكتابة القصيدة هم من بعض أسرار الابتسامة.

هذا الجاليري الجميل، حدائق دلمون، ووسائد إنانا تحت دموع الفقراء، والريشة التي تكتب رسائل الحب للجنود الآتين من وجع حروب السلالات، ينشر على حائط ذكرياتنا لوحاته الفاتنة والغامضة والمنشرحة والعميقة في تفكير بشرها وآلهتها وأحلام رسّامتها.

حدائق دلمون، وبيوت أركاديا، وسكان جنة عاد، وأحلام النائمين في أقبية النذر المقدس في تراب أور وبابل وأكد والنمرود، تعيش معنا في نشوة النظر إلى هذه الأعمال التي تميّز ريشتها عن أي ريشةٍ في فهم غموض المكان وأسراره.لوحاتٌ تتحدث عن الحزن والنحيب وقبلات العشق بطريقةٍ أسطوريةٍ يختلط فيها نحيب الملوك ومطربو الريف ورعاة المعدان وشهداء جبهات عبادان وربى كردستان. تتحدث عن عالمٍ يمتلك صيرورات الأمل في قلقنا من هذا الحاضر، التتار والبرابرة وداعش والسرّاق ودعاة ثقافة الجهل والغفلة وفناني كواتم الصوت والكهنة المشعوذين.عالمٌ مفتوح، ورؤى متعددة الاتجاهات، وامرأةٌ تتحكم بمصائر بيئة الفانتازيا القديمة على طريقتها الخاصة لتمنحنا مشاعر ناعمة عن حريرٍ يغطي أجفان متعة النظر إلى لوحاتها.

شيءٌ من ميثولوجيا الروح، ميثولوجيا الأسلاف، ميثولوجيا الاقتناء، التي تدفع عشاق أعمالها ليطلبوا لوحاتها لغرف الضيوف والنوم وصالات مطارات البوينغ والكونكورد، فقط ليؤثر فيهم انفعال هذه السيدة وطقوسها وهي تشيّد المعابد وسط الوجه، تشتل حدائق الورد وتغرس النخيل وأشجار الآس والعطر في مساحات أناملها التي تمضي بعزفها السمفوني على مسرح اللوحة لترينا أعماقاً خالدةً لنهري العطش والحب وشواطئ الأهوار والخلود الآتي من أغنيات مسافري سفينة نوح، أو من نحيب ملك أوروك جلجامش حين رأى موت خلّه أنكيدو.رؤىً، ولحظاتٌ مبتكرة، صوفية، ناعسة وشفافة، تمضي مع الحيطان والأزمنة، ولا تحتاج إلى عارفٍ وناقدٍ يقول عنها شيئاً، لأنك مجرد أن تصمت تجد رضا الشخوص يعبّر عنه غموض نظراتهم، لهذا أنا أصمت أمام اللوحة حتى أفهمها وتفهمني.


مشاهدات 46
الكاتب نعيم عبد مهلهل
أضيف 2026/07/28 - 3:17 PM
آخر تحديث 2026/07/29 - 1:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 122 الشهر 31464 الكلي 15996590
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير