في السياسة الخارجية (6/6)
هل آن للعراق أن يفكر كدولة؟
سامي العسكري
على امتداد هذه السلسلة، حاولنا أن ننظر إلى السياسة الخارجية العراقية من زاوية مختلفة. لم يكن الهدف الانحياز إلى هذا المحور أو ذاك، ولا ترجيح علاقة على أخرى، وإنما البحث عن سؤال أكثر جوهرية: كيف يمكن للسياسة الخارجية أن تخدم مشروع الدولة العراقية؟
وقد يبدو هذا السؤال بديهياً، لكنه في الحقيقة يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل آن للعراق أن يفكر كدولة؟
الدول لا تتحرك بردود الأفعال، ولا تبني سياساتها على الانفعالات أو الاستقطابات، بل تنطلق من رؤية واضحة لمصالحها الوطنية، وتدير علاقاتها الخارجية على هذا الأساس. أما حين تصبح المواقف الخارجية امتداداً للخلافات الداخلية، أو انعكاساً لضغوط اللحظة، فإن السياسة الخارجية تفقد قدرتها على خدمة الدولة، وتتحول إلى إدارة يومية للأزمات.
لقد امتلك العراق، عبر تاريخه، عناصر قوة يصعب أن تجتمع في كثير من الدول. فهو يتوسط منطقة تمثل قلب العالم القديم، ويطل على أهم طرق التجارة والطاقة، ويملك ثروات طبيعية كبيرة، وموارد بشرية قادرة، وإرثاً حضارياً عريقاً، كما يقيم علاقات مهمة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية. وهذه ليست مجرد مزايا جغرافية أو تاريخية، بل فرص استراتيجية إذا أُحسن استثمارها.
وخلال الحلقات السابقة، ناقشنا عدداً من الأفكار التي يمكن أن تشكل أساساً لرؤية عراقية متماسكة في السياسة الخارجية: أن تنطلق العلاقات الدولية من المصلحة الوطنية، وأن يحافظ العراق على توازن علاقاته مع شركائه، وأن يوظف موقعه الجغرافي ليكون جسراً للتعاون لا ساحة للصراع، وأن تتحول الدبلوماسية إلى أداة للتنمية وجذب الاستثمار والمعرفة وبناء الشراكات الاقتصادية والعلمية.
مرحلة سياسية
غير أن هذه المبادئ، مهما كانت وجيهة، لن تحقق أهدافها ما لم تصبح جزءاً من رؤية دولة، لا برنامج حكومة، ولا اجتهاد وزير، ولا توجه مرحلة سياسية بعينها.
فالدول الناجحة لا تعيد تعريف مصالحها كل أربع سنوات، ولا تغير اتجاهها مع كل أزمة أو تبدل في موازين القوى. قد تختلف الحكومات في أساليب التنفيذ، لكن الثوابت الوطنية تبقى مستقرة، لأنها نتاج توافق وطني ومؤسسات راسخة، لا ردود أفعال آنية.ومن هنا، فإن العراق يحتاج إلى ما هو أبعد من تحسين أداء السياسة الخارجية؛ إنه يحتاج إلى بناء رؤية وطنية طويلة الأمد، تُعرّف المصالح العليا للدولة، وتحدد أولوياتها، وترسم معايير اتخاذ القرار، بحيث تتحول السياسة الخارجية إلى عمل مؤسسي متراكم، لا إلى مواقف متفرقة تفرضها الظروف.
ولعل من المفيد أن تتبلور هذه الرؤية في وثيقة مرجعية وطنية تُعد بمشاركة مؤسسات الدولة والجهات المعنية، وتُراجع دورياً في ضوء المتغيرات، من دون أن تفقد ثوابتها الأساسية. فوجود مثل هذه الوثيقة لا يقيد صانع القرار، بل يمنحه إطاراً واضحاً يتحرك في داخله، ويعزز استمرارية السياسة الخارجية مهما تعاقبت الحكومات.
إن التفكير بمنطق الدولة يعني أيضاً أن تكون التنمية هي الغاية النهائية للعلاقات الخارجية، وأن يُنظر إلى كل اتفاق أو شراكة أو زيارة رسمية من خلال أثرها في أمن العراق، واقتصاده، وتعليمه، ومياهه، وغذائه، وتقدمه العلمي، ومكانته الدولية. فالدبلوماسية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق هذه الأهداف.
دولة حكيمة
كما يعني أن يمتلك العراق القدرة على التعامل مع التحولات الدولية بقدر كبير من الواقعية والمرونة. فالعالم يتغير بسرعة، والتحالفات تتبدل، وموازين القوى لا تبقى على حالها. والدولة الحكيمة ليست تلك التي تراهن على طرف واحد، وإنما التي تحافظ على شبكة واسعة من العلاقات، وتبني خياراتها على مصالحها الوطنية، لا على رهانات قد يثبت الزمن أنها كانت مؤقتة.
لقد دفع العراق أثماناً باهظة عندما وجد نفسه طرفاً في صراعات الآخرين، كما دفع أثماناً أخرى عندما عجز عن استثمار الفرص التي أتاحها موقعه الجغرافي وموارده الكبيرة. وربما آن الأوان لأن ينتقل من موقع المتأثر بالأحداث إلى موقع المبادر في صناعة مستقبله.
إن السؤال الذي بدأنا به هذه السلسلة لا يزال قائماً: ماذا يريد العراق من سياسته الخارجية؟ وربما أصبحت الإجابة اليوم أكثر وضوحاً. إنه يريد سياسة خارجية تحمي سيادته، وتعزز أمنه، وتدعم اقتصاده، وتوسع خياراته، وتفتح أمام أبنائه آفاقاً أرحب للعلم والعمل والازدهار.
لكن تحقيق ذلك كله يبدأ بخطوة واحدة، هي أن يفكر العراق كدولة.
فعندما تصبح المصلحة الوطنية هي البوصلة، والمؤسسات هي الضامن للاستمرار، والتنمية هي الغاية، والتوازن هو المنهج، تتحول السياسة الخارجية من إدارة للأزمات إلى صناعة للفرص، ومن رد فعل على ما يقرره الآخرون إلى أداة فاعلة في رسم مستقبل العراق.ذلك ليس حلماً بعيد المنال، بل خياراً يمكن أن يبدأ اليوم، إذا توافرت الإرادة، وترسخ الإيمان بأن بناء الدولة مشروع طويل، وأن السياسة الخارجية ليست سوى أحد أهم أدواته.
كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة