الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وطن بلا وطنيّة

بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

وطن بلا وطنيّة

ياس خضير البياتي  

 

في العراق، الوطنية ليست نشيدًا يُردّد في الطوابير، ولا شعارًا يُرفع على المنصات، بل امتحان يومي للضمير. لكنها اليوم تُباع في المزاد العلني، وتُهرّب مع النفط والآثار، وتُستبدل برايات الأحزاب وأناشيد الميليشيات.

الوطنية العراقية ليست عاطفة سهلة؛ إنها خليط من وجعٍ وأمل، من غضبٍ ورجاء. لكنها تحوّلت بعد 2003 إلى بطاقة نجاة فردية، لا إلى كيان تُصان كرامته. صار العلم الوطني كعكة تتقاسمها جياع السلطة، وصار النشيد الوطني يزاحمه نشيد الفصائل، حتى بدا العراق مسرحًا للتهريج السياسي.

لقد ضاعت الوطنية حين صار السارق ينهب أموالنا ونحن نصفّق له، وحين صار المواطن يمدّ يده لتقبيل أقدام الغرباء كأنها من طينة الوهم وثقافة العمالة، وحين صار الولاء للغريب شرفًا والخيانة بطولة، والوطن مجرد اسم بلا روح.

لماذا لا يهتزّ الضمير العراقي وهو يرى الفقراء يئنّون والوطن يُذبح، بينما يجلس مطمئنًا في مقاهي السراق ينفث دخان النرجيلة؟ لماذا لا يهزّنا أنين الأمهات ولا صرخات الأطفال ولا مشهد آثارنا وهي تُباع كسلعة في سوق سوداء؟

تحوّلنا إلى شعب يتفرّج على الخراب كأنه مسرحية هزلية طويلة، نضحك فيها على أنفسنا ونصفّق للجلادين. الوطنية غابت حين صار الولاء للزعيم أهم من الولاء للوطن، وحين صارت الطائفة والعشيرة أغلى من العلم والذاكرة. غابت لأننا سمحنا للفساد أن يصبح عادة، وللانقسام أن يصبح ثقافة، وللخيانة أن تُسمّى دهاءً سياسيًا.

الوطنية عندنا لم تعد هويةً تُزرع في الروح، بل بطاقة ولاء تُوزَّع في أسواق السياسة. غابت نخلة البصرة وصوت الموصل والرمادي والنجف، وحلّت محلها رايات غريبة وصور لا تشبهنا. كأننا وُلدنا في طهران وقم، لا في أرض الرافدين التي أنجبت الحضارة. الهوية تُمحى حين نصمت، والوطنية تُغتال حين نغنّي لغير أرضنا ونترك نخيلنا يتيّم بلا أغنية.

أيام الملكية، كنّا أطفالًا نقف في الطابور المدرسي، تُوزَّع علينا كأس الحليب وحبة السمك وتفاحة، ونرفع أصواتنا لننشد للعراق وحده، لا للحاكم ولا للضرورة. كان العلم واحدًا، والنشيد واحدًا، والذاكرة نقية. أما اليوم، فقد غدت مدارس أطفالنا فقيرة ومتهالكة، تتنازعها أعلام الأحزاب ولافتات الميليشيات، وتُعلّق صور رجال بلا هوية، كأنهم يريدون محو العراق من الخريطة وإخراج الوطنية من النفوس.

المُقزِّز اليوم أن تتحوّل وسائل الإعلام إلى أبواقٍ لعملاء يفاخرون أمام الناس والأطفال بأنهم عشّاق إيران، ويقسمون أنهم سيدافعون عنها أكثر من دفاعهم عن العراق. والأدهى أن يخرج رئيس حزب يقود وطنًا مثخنًا بالجراح ليعلن بلا خجل: « إذا اشتعلت الحرب بين إيران والعراق فسأقف مع إيران».وهم أنفسهم الذين قتلوا شباب تشرين حين صرخوا:»إيران برّة.. برّة».

أعرف من الوقائع والتاريخ أن ما يجري للوطنية العراقية اليوم ليس صدفة، بل جهد منظّم لمسح ما تبقّى من روح وطنية تتنفس في غرفة الإنعاش. وما يجري للوطن والمواطن أخطر من حروب الردة والجياع؛ لأنه حرب على المعنى والضمير والانتماء.

إنها ليست معركة بنادق، بل معركة محو الذاكرة، حيث يُراد للعراقي أن ينسى علمه ونشيده وتاريخه، ويستبدلها برايات الغرباء وأناشيد الطوائف.

ومع ذلك، فإن الوطنية لا تموت؛ قد تُخنق، قد تُقصى، قد تمرض، لكنها تبقى كامنة في النفوس، تنتظر لحظة صدق لتنهض. تظهر في حارسٍ يرى المال العام مال أولاده، وفي معلمٍ يرفض أن يترك فقراءه بلا علم، وفي طبيبٍ يعمل بلا مقابل لأن المرضى لا ذنب لهم، وفي شهامة عراقي كادح يواصل عمله وهو يرى المليارات تُدفن في المزارع. هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يُبقي الوطن حيًّا حين تعجز السياسة عن حمايته.

الوطنية هي روحٌ إن سقطت سقط الوطن. هي الضمير الذي إن مات، تحوّل العراق إلى خرائط بلا معنى، وأسماء بلا ذاكرة. هي معركة يومية ضد النسيان، إمّا أن ننهض بها كصرخة حياة، أو ندفن معها آخر ما تبقّى من معنى العراق.

الوطنية كفن العراق الأخير؛ إن ضاعت، ضاع الوطن.

 


مشاهدات 28
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/07/26 - 4:43 PM
آخر تحديث 2026/07/27 - 12:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 131 الشهر 29105 الكلي 15934232
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير