الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحاشية.. مرآة لهوية القائد

بواسطة azzaman

الحاشية.. مرآة لهوية القائد

أمير علي الحسون

 

ليست شخصية المسؤول وحدها هي التي تكشف نهجه في الإدارة، بل إن أقرب المقربين إليه هم المرآة التي تعكس حقيقة مشروعه، وقيمه، وأسلوبه في إدارة الدولة. فالحاشية ليست مجرد فريق عمل، وإنما مؤشر واضح على هوية القائد، وطريقة تفكيره، والوجهة التي يريد أن يسير بها.

وفي مرحلة تزدحم فيها الأخبار بملفات الفساد، وتتوالى فيها الوقائع المتعلقة بسرقة المال العام، والتي لا تمثل سوى نماذج محدودة قد تخفي وراءها آلاف الحالات الأخرى، يصبح من الضروري قراءة المشهد بعمق، بعيداً عن الانطباعات السطحية والشعارات السياسية.

ورغم الجهود الجادة التي يبذلها رئيس مجلس الوزراء في ملاحقة الفاسدين والحد من الفساد، فإن الواقع لا يزال يشير إلى استمرار منظومة المحاصصة التي شكلت، على مدى سنوات، البيئة الخصبة لإنتاج الفساد وإعادة تدويره. فما زالت بعض الإدارات تُدار بالعقلية ذاتها، وبالأدوات نفسها، وإن اختلفت الوجوه والعناوين.

الأخطر من ذلك أن بعض الشخصيات تدخل إلى مواقع المسؤولية وهي تحمل مشروعاً واضحاً لتعظيم مكاسبها الشخصية، فتختار بعناية حاشية تمتلك الخبرة في الالتفاف على القانون، وإخفاء آثار الفساد، وتضليل أجهزة الرقابة، وابتكار وسائل احترافية للاستيلاء على المال العام. وهؤلاء لا يكتفون بإضعاف مؤسسات الدولة، بل يمنعون أيضاً أي فرصة حقيقية للإصلاح أو النهوض الإداري.

ولا يتوقف دور هذه الحاشية عند حماية الفساد، بل يتعداه إلى استهداف كل موظف أو مسؤول يعمل بنزاهة ومهنية وشرف. فهي ترى في أصحاب الكفاءة خطراً على مصالحها، فتبدأ بحملات التشويه والإقصاء، وتدفع المسؤول إلى إبعادهم عن مواقع العمل، حتى تصبح الأولوية إزاحة الكفاءات بدلاً من تطهير بيئة العمل من الفاسدين. وهنا تتحول المؤسسة إلى بيئة طاردة للمخلصين، بينما يجد الفاسدون فيها مساحة آمنة للتمدد وتعزيز نفوذهم.

وفي المقابل، هناك مسؤولون قد لا يختارون حاشيتهم بإرادتهم الكاملة، بل تُفرض عليهم شخصيات تمثل مراكز النفوذ والهيئات الاقتصادية التابعة لبعض الأحزاب، لتكون أداة لتوجيه القرار الإداري، وتحويل المؤسسة إلى وسيلة لخدمة المصالح الحزبية والشخصية، بعيداً عن المصلحة الوطنية.

إن الحاشية الفاسدة أو الجاهلة لا تسيء إلى المؤسسة فحسب، بل تفضح المسؤول نفسه، لأنها تعكس معاييره في اختيار الكفاءات، ومدى التزامه بالنزاهة، أو قبوله بمنظومة الفساد. كما أنها تكشف حقيقة الحزب أو الجهة التي تقف خلفه، مهما رفعت من شعارات الوطنية والإصلاح.

وعلى النقيض من ذلك، فإن المسؤول الذي يحيط نفسه بأصحاب الكفاءة والنزاهة والاستقلالية، يبعث برسالة واضحة مفادها أن النجاح المؤسسي يبدأ من حسن اختيار الرجال، وأن بناء الدولة لا يتحقق إلا بالعقول النظيفة والضمائر الحية. فالقائد الحقيقي لا يخشى وجود الأكفاء، بل يجعل منهم مصدر قوة لنجاحه، بينما يخشى الفاشل أن يحيط نفسه إلا بمن هم أقل منه كفاءة وأكثر استعداداً لتنفيذ رغباته.

لذلك، فإن تقييم أي مسؤول لا ينبغي أن يقتصر على خطاباته أو تصريحاته الإعلامية، بل يبدأ بالنظر إلى حاشيته: من هم؟ وما تاريخهم؟ وكيف يديرون الملفات؟ فهناك تتجلى الحقيقة، وتسقط الأقنعة، وتظهر هوية القائد الحقيقية.

ويبقى المعيار بسيطاً وواضحاً: قل لي من حاشيتك، أقل لك من أنت. فالحاشية ليست ظلاً للمسؤول فحسب، بل هي صورته التي يراها الناس كل يوم، والمرآة التي تعكس نزاهته أو فساده، وقدرته على بناء الدولة أو الإسهام في هدمها. ومن هنا، فإن أول خطوة في أي مشروع إصلاحي حقيقي لا تبدأ بتغيير الشعارات، وإنما باختيار الحاشية الصالحة، وإبعاد الفاسدين والانتهازيين، وإعادة الاعتبار لأصحاب الكفاءة والنزاهة، لأن الدول لا تبنى بالحاشيات، وإنما تبنى بالرجال المخلصين.


مشاهدات 14
الكاتب أمير علي الحسون
أضيف 2026/07/26 - 3:51 PM
آخر تحديث 2026/07/27 - 1:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 161 الشهر 29135 الكلي 15934262
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير