الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سؤال يكشف تحوّلًا في الهوية العراقية .. من يا عمام؟

بواسطة azzaman

سؤال يكشف تحوّلًا في الهوية العراقية .. من يا عمام؟

أحمد جاسم الزبيدي

 

في سنوات الصبا والشباب، حين كانت الثقافة عنوانًا لجيل كامل، لم يكن السؤال الأول بيننا: من أي عشيرة أنت؟ ولا إلى أي طائفة تنتمي؟ بل كان السؤال الذي يفتح أبواب الصداقة والنقاش هو: ماذا تقرأ؟ أو أي كتاب انتهيت من قراءته؟

كنا نتسابق إلى اقتناء الكتب، ونتبادل الروايات والمؤلفات، ونتفاخر بما نقرأه. وكان بعض الأصدقاء يحاولون مجاراة هذا الجو الثقافي، فيحفظون أسماء الكتب والمؤلفين دون أن يقرؤوا مضمونها. لكن سرعان ما ينكشف الأمر عندما يبدأ أحدنا بمناقشة أحداث الرواية أو شخصياتها، فيجد نفسه عاجزًا عن الإجابة، فيصبح مادةً للمداعبة بين الأصدقاء.

حتى الذين كانوا يتحدثون بحماسة عن الماركسية أو اللينينية، كانوا أحيانًا يرددون مصطلحات لا يدركون معناها الحقيقي، ويحاولون ـ كما نقول باللهجة العراقية ـ "ثرم البصل برؤوسنا". لكن، على الرغم من كل ذلك، كان اهتمامنا الحقيقي ينصب على الأدب العراقي ورواده.

كنا نلتهم مؤلفات غائب طعمة فرمان، وفؤاد التكرلي، وإبراهيم أحمد، وناجح المعموري، ومصطفى عبود،  وحامد الهيتي ، وبرهان الخطيب، وغيرهم من كبار الأدباء الذين شكّلوا وجدان جيلنا. وقد حالفني الحظ أن ألتقي بالأديب الكبير غائب طعمة فرمان في موسكو، وأن أتتلمذ على يديه في فن الترجمة، وهي تجربة أعتز بها كثيرًا.

تلك كانت اهتماماتنا... وكان الانتماء للعراق هو الهوية الجامعة التي تغنينا عن كل التصنيفات الأخرى.

بعد سنوات طويلة، حملتني الحياة إلى الولايات المتحدة. كنت قد تجاوزت مرحلة الشباب، وشاب الرأس، وعركتني الأيام، لكنها لم تستطع أن تنتزع من قلبي حبي للعراق والعراقيين.

وفي إحدى الأمسيات، كنت أجلس في مطعم "بابل"، حين دخلت عائلة عراقية وجلست غير بعيد عني. وبينما كنت أتحدث عبر الهاتف مع صديق عراقي بلهجتنا العراقية، اقتربت مني سيدة من تلك العائلة، وبعد أن حيّتني، سألتني:

من يا عمام أنت؟

توقفت لحظة، فقد كان السؤال غريبًا على مسامعي.

أجبتها:

أنا عراقي.

ابتسمت وقالت:

أعرف أنك عراقي، ومن لهجتك واضح، وأنا أيضًا عراقية... لكن من يا عمام؟

كررت جوابي:

أنا عراقي.

فقالت بإصرار:

أقصد... من أي عشيرة؟

سألتها باستغراب:

وهل أصبح هذا مهمًا؟

اعتذرت السيدة بابتسامة وقالت:

في العراق اليوم، أول سؤال نسأله هو: من يا عمام؟

انتهى الحديث، لكن السؤال بقي يرافقني سنوات طويلة. ظل يتردد في ذهني كلما تذكرت العراق الذي عرفناه، والعراق الذي أصبحنا نراه اليوم.

ومضت الأيام حتى شاركت في المنتدى الدولي لافتتاح مركز الحضارة الإسلامية في طشقند، وهو المنتدى الذي حضرته وفود تمثل أكثر من أربعين دولة، وكان من بينها وفد من العراق.

وكان من نصيبي أن أقدم كتابي ـ الألبوم "أوزبكستان الجديدة... وطن السلام والإنسانية والتسامح".

وقبل بدء إحدى الفعاليات، اقترب مني أحد أعضاء الوفد العراقي، وبعد التحية قال:

أستاذ... أنت من يا عمام؟

ابتسمت وأجبته:

أنا عراقي.

قال:

نعم، أعرف أنك عراقي... لكن من يا عمام؟

تظاهرت بعدم فهم المقصود، وقلت:

لم أفهم سؤالك.

فأوضح:

أقصد... من أي عائلة أو عشيرة؟ ربما تكون بيننا صلة قرابة أو معرفة.

عندها ابتسمت وقلت:

إذا كان هذا قصدك، فأنا من العراق، من محافظة بابل، وتحديدًا من قضاء المحاويل.

هز رأسه مبتسمًا، وكأن الجواب لم يكن ما كان ينتظره.

غادرت المكان، لكن ذلك السؤال عاد يلاحقني من جديد.

تساءلت بيني وبين نفسي: متى أصبح الانتماء إلى العشيرة يسبق الانتماء إلى الوطن؟ ومتى صار العراقي يُعرّف أولًا بقبيلته، قبل أن يُعرّف بعلمه أو فكره أو إنجازاته؟

لا أحد ينكر أن للعشائر دورًا اجتماعيًا أصيلًا في تاريخ العراق، وهي جزء من نسيجه الاجتماعي، لكن المؤلم أن تتحول الهوية الوطنية إلى مرتبة ثانية، وأن يصبح السؤال الأول عند اللقاء ليس: ماذا تعمل؟ أو ماذا تقرأ؟ أو ماذا أنجزت؟ بل: من يا عمام؟

كم أتمنى أن يعود ذلك الزمن الجميل، حين كان السؤال الذي يجمع العراقيين هو: أي كتاب تقرأ؟ لا: من أي عشيرة أنت؟

فالأوطان تُبنى بالعقول، وتزدهر بالثقافة، ويجمع أبناءها الانتماء إلى وطن واحد، لا إلى عمامة أو عشيرة أو طائفة.

ويبقى العراق أكبر من جميع الانتماءات الضيقة... وسيظل، مهما تبدلت الأزمنة، وطنًا يتسع لجميع أبنائه.


مشاهدات 40
الكاتب أحمد جاسم الزبيدي
أضيف 2026/07/21 - 2:22 PM
آخر تحديث 2026/07/22 - 1:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 23300 الكلي 15928427
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير