الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المساواة  أمام القانون بداية الحرب على الفساد

بواسطة azzaman

المساواة  أمام القانون بداية الحرب على الفساد

شيلان فتحي

 

لا احد يختلف على كون  ظاهرة الفساد الإداري والمالي في العراق واحدة من أكثر التحديات تعقيدًا منذ سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003، إذ لم تعد مقتصرة على حالات فردية، بل تحولت في بعض مراحلها الى شبكات فساد كبيرة وبالتالي الى إشكالية بنيوية أثّرت في أداء مؤسسات الدولة الجديدة وأضعفت ثقة المواطن بالمنظومة السياسية والإدارية، وعرقلت جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ولذا كانت بروز الحملة الحالية لمكافحة الفساد بوصفها خطوة في غاية الأهمية  لتعزيز سيادة القانون واسترداد المال العام وتوظيفها في خدمة الشعب .

غير أن تقييم هذه الحملة لا يمكن أن يستند إلى الخطاب الرسمي أو عدد الإجراءات المتخذة فحسب، بل يرتبط بمدى قدرتها على تحقيق مبدأ أساسي في أنظمة الحوكمة الرشيدة، وهو مبدأ المساواة أمام القانون دون استثناء أو تمييز.

إن أحد أبرز التحديات التي تواجه مثل هذه الحملات يتمثل في إدراك الرأي العام لمدى شموليتها. إذ يُلاحظ، في بعض الحالات، أن إجراءات الملاحقة القانونية قد تتركز في ملفات أو أطراف محددة دون غيرها في حين تبقى ملفات أخرى ذات صلة بقطاعات أو شخصيات معينة  خارج نطاق الملاحقة والتدقيق  بالقوة  والإصرار ذاته. هذا الأمر، سواء أكان نتيجة اعتبارات قانونية بحتة أو نتيجة تعقيدات إجرائية، ينعكس مباشرة على مستوى الثقة العامة ويشكك بجدية عملية الإصلاح.

ومن منظور الحوكمة، فإن فعالية مكافحة الفساد لا تُقاس فقط بعدد القضايا المحالة أو الإجراءات القضائية المعلنة، بل بقدرة المؤسسات على ضمان العدالة الإجرائية، واستقلالية القرار القضائي، وتكافؤ الفرص في تطبيق القانون على جميع الأفراد والكيانات دون استثناء.

مؤشرات مهمة

ويبرز في هذا الإطار ملف المال السياسي بوصفه أحد المؤشرات المهمة على شفافية النظام العام. ففي سياق العملية الانتخابية، تُطرح تساؤلات مشروعة حول مصادر التمويل التي تُمكّن بعض الفاعلين السياسيين من إدارة حملات انتخابية ذات كلفة مرتفعة، تتجاوز في بعض الأحيان القدرة المفترضة على التمويل الشخصي أو المعلن. اذ إن هذا النوع من التساؤلات لا يُعد اتهامًا، بل يدخل ضمن نطاق الرقابة المجتمعية ومبادئ الإفصاح المالي التي تعتمدها العديد من الأنظمة الديمقراطية التي تفرض على الفاعلين كشف مصادر تمويل حملاتهم السياسية بشفافية.

وتُظهر التجارب الدولية أن نجاح سياسات مكافحة الفساد يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى استقلالية المؤسسات الرقابية وشمولية تطبيق القانون. ففي نماذج مثل سنغافورة وهونغ كونغ، ساهمت الصلاحيات الواسعة للهيئات المختصة، إلى جانب وضوح الإطار القانوني، في تعزيز فعالية مكافحة الفساد وتقليل فرص الإفلات من العقاب. كما أن تجارب أخرى، مثل حملة «الأيدي النظيفة» في إيطاليا، أبرزت أهمية شمولية التحقيقات وعدم اقتصارها على أطراف دون أخرى، وهو ما منح تلك الحملة وزنا سياسيا ومجتمعيا واسعا رغم تداعياتها السياسية اللاحقة.

وبالعودة إلى الحالة العراقية، فإن نجاح أي جهد لمكافحة الفساد يبقى مرهونا بقدرته على تجاوز منطق الانتقائية، والانتقال نحو تطبيق شامل للقانون يشمل جميع القطاعات دون استثناء، بما في ذلك قطاعات النفط، والاستثمار، والزراعة، والتجارة، والتعليم، والمشاريع الخدمية، وغيرها من المجالات التي أُثيرت حولها خلال السنوات الماضية العديد من علامات الاستفهام.

وفي المحصلة، فإن الحرب الحقيقية على الفساد لا تبدأ بالإجراءات الشكلية أو التصريحات السياسية، بل تبدأ عندما يُطبق القانون على الجميع على قدم المساواة، لا ان تشمل شخصيات وكيانات معينة دون غيرها ، وعندما تصبح المساءلة معيارا ثابتا لا يرتبط بالانتماء أو الموقع أو النفوذ. وعندها فقط يمكن الحديث عن تحول فعلي نحو دولة القانون والمؤسسات.

وعليه لن نستطيع ان نطلق عليها مكافحة الفساد والفاسدين ، لن تكون إلا استغلالا للسلطة من أجل تصفية الحساب مع المنافسين والمخالفين للرأي والنهج.

اكاديمية وناشطة سياسية

 


مشاهدات 43
الكاتب شيلان فتحي
أضيف 2026/07/11 - 12:55 AM
آخر تحديث 2026/07/11 - 2:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 153 الشهر 10800 الكلي 15915927
الوقت الآن
السبت 2026/7/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير