حين تركت ملاعب الصبا
كامل عبدالرحيم
أول منافسة لكأس العالم (المونديال) شاهدتها وتابعتها كانت بطولة 1966 التي أُقيمت في إنكلترا. كان التلفزيون الحكومي، بقناته الوحيدة، يعرض المباريات مجانًا، وكنا قد خرجنا للتو، قبل عامين، من بطولة كأس العرب التي فاز فيها العراق.
منذ بطولة 1966 تعلمت أن كرة القدم معجونة بالسياسة، ورغم العوائد المعقولة للاعبين والمدربين، فإن كرة القدم فيها أيضًا الكثير من التجارة والإدارة والإعلام. ومنذ ذلك الوقت بدأت الدروس، السياسية والرياضية وغيرها. كانت أخبار «الجوهرة السوداء» بيليه قد وصلتنا قبل المنافسات، فقد فازت البرازيل بكأسي العالم (وكان اسم الكأس آنذاك «جول ريميه») في الدورتين السابقتين، 1958 و1962، وكانت الأنظار تتجه إلى الفريق البرازيلي ليحتفظ بـ«جول ريميه» إلى الأبد.. لكن البرازيل خرجت من الدور الأول، وتعرض بيليه للإصابة، وغادر باكيًا. وما زلت أتذكر اللاعب الأرجنتيني المشاغب (اسمه آرتين) الذي أصاب بيليه، فطُرد آرتين.
كان هناك بيكنباور من الفريق الألماني، وزيلر أيضًا، وبوبي مور، وبوبي شارلتون، وأخوه جاكي شارلتون في الفريق الإنجليزي. لكني أُعجبت أيما إعجاب بكابتن الفريق البرتغالي، الذي كان مفاجأة المنافسة، إذ وصل إلى المربع الذهبي. كان فريق البرتغال يقوده لاعبان من المستعمرات، من موزمبيق: أوزيبيو الهداف (هداف كأس العالم بتسعة أهداف)، والكابتن الهادئ وصانع الألعاب كولونا. أسرني أداء كولونا، وربما انجذبت إلى فكرة الأسود الثائر والسيد، مثلما كان يتصرف كولونا في الملعب. أعجبت بشخصيته وهيمنته على خط الوسط منافسًا الألماني بيكنباور والإنجليزي بوبي مور. ولد كولونا عام 1935، وأوزيبيو عام 1942، لكنهما توفيا في العام نفسه، 2014، ولسببين مختلفين، بعد أن عاد كولونا إلى موزمبيق عقب نيلها الاستقلال إثر ثورة القرنفل عام 1974 وتحرير المستعمرات البرتغالية.
ما زلت أتذكر مباراة البرتغال وكوريا الشمالية، وكانت قد صعدت إلى كأس العالم للمرة الوحيدة، كما أظن. كنا نشجع فريق كوريا الشمالية لأسباب سياسية، وفعلاً انتهى الشوط الأول بتقدم الفريق الكوري الشمالي بثلاثة أهداف. وربما كان أوزيبيو مصابًا، أو اختار المدرب إراحته، فلم يلعب الشوط الأول. وفي الشوط الثاني نزل أوزيبيو، لتنتهي المباراة 5-3 لصالح البرتغال، وكانت حصته منها أربعة أهداف. وظلت صورة هدف أوزيبيو الرأسية تتصدر الصفحات الأولى للمجلات والصحف، إذ يقفز ثلاثة لاعبين كوريين للكرة الطائرة، لكن أوزيبيو، «النمر الأسود»، ينالها من فوقهم كأنه يعلو أربع قمم، وينطحها برأسه مسجلًا هدفه الأول..كان كأس 1966 فرصة لرؤية أسطورة حراسة المرمى الروسي، أو السوفيتي، ليف ياشين، وكان بعمر الأربعين. وربما كانت آخر دورة يلعب فيها الجناح البرازيلي جارينشيا. ولم يشترك اللاعب المجري بوشكاش في هذه الكأس، رغم أنه بزغ وسطع نجمه في دورة 1954، عندما قاد فريقه للفوز على ألمانيا بنتيجة 8-3. وكانت قضية بوشكاش سياسية، إذ لم يعد إلى بلده (هنغاريا)، وطلب اللجوء السياسي بسبب تضييق الحريات فيها. وظل بوشكاش يلعب في ريال مدريد، ولما حصل على الجنسية الإسبانية لعب للمنتخب الإسباني عدة مباريات.
عام 1970، وفي كأس العالم التالي، لقن بيليه، مع الفريق البرازيلي، درسًا لخصومه والمشككين بموهبته، إذ قاد فريقه للفوز بالكأس الثالثة بمعية توستاو (رقم 9) وجيرزينيو (رقم 7). وبهذا احتفظت البرازيل بكأس جول ريميه، وكانت أول فريق يفوز بالكأس ثلاث مرات.. بتأثير دورة إنكلترا 1966 أصبحت أشجع الفريق الإنجليزي، ومن بعده البرازيلي. فإذا لعب الفريقان شجعت الأول، وعيني على الثاني. لطالما استُخدمت كرة القدم لتسخين الحمى الوطنية، فاستغلتها الأنظمة الحاكمة، واعتبرت فوز فريق كرة القدم نصرًا للنظام، وما زالوا كذلك.
في العراق، لكرة القدم جذور تسبق عام 1966. وللحقيقة، فإن مدرسة اللعب العراقية كانت مستقلة وخاصة، وتعكس الشخصية العراقية الواثقة من نفسها واستقلاليتها. وظل هذا قائمًا حتى التدخل السافر والوحشي فيها من قبل النظام الديكتاتوري. وقد عوقبت كرة القدم العراقية عندما عوقب النظام الديكتاتوري بسبب حماقاته، وما زالت.
كان أخي الدكتور فاهم، رحمه الله، يشجع فريق آليات الشرطة وكانت هناك للشرطة فرق أخرى: المرور، والتحريات، والقوة السيارة، وتلعب في دوري الدرجتين الأولى والثانية، منذ أن كان طالبًا في الكلية الطبية، وحتى ساهم بقيادة منظمة مشجعي الشرطة. ومنه تعلمنا تشجيع هذا الفريق، ما شكل عندي أزمة فكرية: فكيف لماركسي ثوري أن يشجع فريق الشرطة؟ وهو ما يشبه كتابة الشاعر محمد الماغوط لقصائده العبثية في مجلة الشرطة. وهذا يفسر المنابع المختلفة لكرة القدم في العراق، حتى إن أشهر لاعبي كرة القدم العراقيين، الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لانتمائهم السياسي، وهو بشار رشيد، الذي أُعدم مع مجموعة من الشهداء عام 1978 بتهمة إنشاء تنظيم محظور داخل القوات المسلحة، كان يلعب لنادي الشرطة. المجد والخلود لذكراه.
بعد كأس 1966 أصابتنا حمى اللعب، فكان لنا فريق خاص بنا ينافس الفرق الشعبية الأخرى. لعبت في مركز ظهير أوسط، وكان أعلى مثلين لي جبار رشك وعبد كاظم، وكلاهما يساري الهوى. وقد أجدت اللعب في هذا المركز، فكانوا يلقبونني بـ«قلب الأسد». لكن حادثة عابرة في الملاعب غيرت حياتي. كنت في عطلة الصف الثالث المتوسط الصيفية، وكنا نلعب بالقرب من ملعب اعتماد الوشاش، وكان قوام فريقنا أخوَيَّ الآخرَين. وعندما قطعت الكرة من بين قدمي لاعب منافس، هو أصغر مني عمرًا لكنه ضخم