الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حيتان الفساد لا صغار الأسماك حين تتحوّل المكافحة إلى إمتحان دولة

بواسطة azzaman

الفجر الأحمر (1)

حيتان الفساد لا صغار الأسماك حين تتحوّل المكافحة إلى إمتحان دولة

كاظم نزار الركابي

 

في الساعات الأولى من فجر الأحد، لم تكن المنطقة الخضراء كما عرفتها بغداد منذ سنوات. أُغلقت بوابات، وتقدمت وحدات من جهاز مكافحة الإرهاب نحو بيوت وشقق ومقار ظلّت طويلاً محاطةً بهيبة النفوذ أكثر مما أحاطها القانون.

لم تكن ليلة عادية. كانت لحظة ثقيلة في ذاكرة الدولة بعد 2003. سياسيون ونواب ومسؤولون ورجال أعمال وجدوا أنفسهم أمام سؤال لم يعتادوا أن يُطرح عليهم بهذه الصرامة: من أين جاء المال؟ ومن وقّع؟ ومن حمى؟ ومن حوّل المنصب إلى ممرٍّ للثروة؟

ما يميز ليلة الأحد أنها لم تبدأ من شعار، ولا من مؤتمر صحفي، ولا من حملة علاقات عامة. بدأت من خيط داخلي في ملف نفطي كبير. اعترافات وتحقيقات جرّت وراءها أسماء وشبكات وممرات حماية. والفساد حين يبدأ بالكلام من داخل جسده، لا يعود ملفاً عادياً. يصبح اعترافاً من المنظومة على نفسها. من يحمي المنظومة؟ الفساد في العراق لا يظهر دائماً بوصفه انحرافاً عن القاعدة. صار في مواضع كثيرة جزءاً من القاعدة ذاتها. منظومة تملك وسطاءها وممراتها وذاكرتها المؤسسية وقدرتها على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج نفسها بعد كل عاصفة. مسؤول يُعتقل، وآخر يُعيَّن بالمعايير نفسها. عقد يُلغى، وعقد آخر يُمرَّر بالآلية ذاتها. الوجوه تتبدل، والبنية تبقى.

انتاج المواطن

تحمي هذه البنية ثلاثة أعمدة لا يكفي هدم واحد منها: ريع نفطي يُغني الدولة عن إنتاج المواطن فيُضعف المساءلة؛ ومحاصصة تحوّل الوزارة من جهاز خدمة إلى حصة حزبية تُدار بمنطق الولاء لا الكفاءة؛ وشبكات حماية سياسية تجعل الملاحقة القضائية تتوقف قبل أن تصل إلى من صمّم الشبكة، لا من نفّذ أو وقّع فقط. هذه الأعمدة لا تتواطأ بعقد مكتوب — تعمل بمنطق ذاتي كآلة تُشحن نفسها بنفسها. وهذا ما يمكن تسميته: الفساد المُنتِج.

الفساد المُنتِج لا يكتفي بالسرقة. يُعيد بناء الشروط التي تجعل السرقة ممكنة في كل دورة جديدة. لذلك لا تُهزم منظومته باعتقال أشخاص فقط — تُهزم بكسر الآلة التي تُنتجهم وتحميهم وتستبدلهم عند الحاجة.

أين تتوقف التحقيقات؟

التاريخ يحكم بقسوة. منذ 2003، لم تخلُ حكومة عراقية واحدة من خطاب مكافحة الفساد. هيئة نزاهة، وديوان رقابة، وقضاء، ولجان تحقيق، ومجالس عليا، وتعهدات متكررة. ومع ذلك بقي الفساد قادراً على تبديل جلده والعودة من نافذة أخرى.

السبب لا يعود دائماً إلى غياب الإرادة. السبب الأعمق أن الحملات حاربت الأشخاص وأبقت البنية. اعتقلت الموظف وتركت من عيّنه. حاكمت المنفذ وحمت من أعطاه الأمر. أغلقت ملفاً وتركت الآلية التي أنتجته تعمل في مكان آخر. والبنية التي لا تُمسّ تنتج خلفاً للمفسد في الدورة التالية، وكأن شيئاً لم يحدث.

حملة الفجر الحمر وصلت إلى منطقة ظن كثيرون أنها عصية على الطرق. رفعت الغطاء عن أسماء لها صلة بالسياسة والمال والعقود. الدولة دخلت منطقة الخطر الحقيقي. وهذا، وحده، تحوّل. الفساد لا يخاف من توقيف موظف صغير. يخاف حين يشعر أن الحصانة السياسية لم تعد جداراً أبدياً، وأن المال المنهوب لم يعد قادراً على شراء الصمت، وأن الاعتراف الواحد قد يفتح خزائن كاملة من الأسرار.

حين يراقب الخارج الداخل

ثمة بُعد يغيب عن كثير من النقاشات المحلية. إدراج العراق على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي ليس تقييماً تقنياً يخص المصارف وحدها. إنه إنذار يتعلق بسمعة الدولة كاملة. فالعالم لا يقرأ الفساد بوصفه خللاً أخلاقياً فحسب — يقرأه بوصفه خطراً على الاستثمار والتحويلات والائتمان وثقة الشركات الكبرى.

حين توضع دولة تحت مراقبة مالية معززة، فإن الكلفة لا تبقى داخلية. المستثمر يتردد، والمصرف الدولي يشترط ضمانات أكبر، والشركة الكبرى تُضيف بنود حماية إضافية، والدولة تدفع ضعفها المؤسسي ثمناً في كل عقد وكل تحويل وكل فرصة ضائعة. مكافحة الفساد سياسة خارجية أيضاً. الدولة التي تُثبت أن مالها العام محمي ومُحاسَب عليه تدخل طاولات التفاوض بثقل مختلف. والدولة التي يشك فيها الخارج تدفع ثمن الشك قبل أن تبدأ التفاوض. السيادة المالية لا تبدأ من الخطب — تبدأ من قدرة النظام المالي على إقناع العالم بأنه ليس غرفة عبور للأموال المشبوهة.

الزيدي يعرف هذه المعادلة. زيارته المرتقبة إلى واشنطن تجعل توقيت الحملة أكبر من تفصيل أمني. يذهب إلى طاولة التفاوض وفي يده ملف، لا وعد. وفي السياسة، الملف أقوى من الوعد.

الفرصة والمأزق

للزيدي عوامل لم تتوافر لسابقيه بالدرجة نفسها. الضغط الدولي لم يعد يتحدث بلغة المجاملة القديمة. مكافحة الفساد وحصر السلاح وإصلاح النظام المالي صارت شروطاً فعلية لا رسائل دبلوماسية. وإلغاء عقد مطار بغداد، ثم ليلة المنطقة الخضراء، يبدوان جزءاً من تصعيد متراكم لا انفعالاً لحظياً.

المأزق الهيكلي لا يُحل بليلة واحدة مهما كانت جريئة. الزيدي يحتاج إلى أصوات الكتل لإكمال حكومته، وهذه الكتل تمسك بالوزارات ذاتها التي تتضخم فيها العقود. هذا ليس اتهاماً. هذا وصف للمعادلة التي حكمت كل رئيس وزراء عراقي منذ 2003.

هنا يقف السؤال الأصعب: هل تستطيع حكومة مولودة من توازنات المحاصصة أن تحاكم المنظومة التي أنتجت تلك التوازنات؟

الجواب: نعم، ولكن ليس بالشجاعة الشخصية وحدها، وإنما بنقل المعركة من مزاج الرجل إلى نظام الدولة. حين يعرف كل وزير أن عقوده ستُفحص قبل توقيعها وبعد تنفيذها. حين تُنشر نتائج تدقيق العقود للرأي العام لا للأدراج. حين لا يصير تغيير المسؤول نهاية التحقيق، إنما بدايته. وحين تُراجع آلية التعيين نفسها، لا سيرة الموقوفين وحدهم.

المؤسسة وحدها تحمي الإصلاح بعد تبدل الأشخاص.

المعيار الفاصل

كل حملة ضد الفساد في العراق أنتجت خبراً. القليل منها أنتج نظاماً. والفرق بين الخبر والنظام هو الفرق بين حملة عابرة وبداية دولة.

معيار نجاح ليلة الأحد لن يُقاس بعدد الموقوفين ولا بضخامة الأسماء ولا بحجم الصدمة الأولى. سيُقاس بما يأتي بعدها: هل تُكشف العقود التي ولّدت هذه الشبكات؟ هل تُسترد الأموال؟ هل يرى المواطن المال العام يعود إلى مدرسة أو مستشفى أو طريق لا إلى بيان جديد؟

السؤال الفاصل ليس ما حدث في الفجر الأحمر. السؤال الفاصل هو ما سيحدث حين تصطدم الحملة، لا محالة، بأسماء أثقل وأكثر نفوذاً مما رأينا.

الدولة التي تطارد صغار الأسماك تصنع خبراً. والدولة التي تصل إلى الحيتان تصنع تاريخاً.

العراق لا يحتاج إلى حملة جديدة لمكافحة الفساد. يحتاج إلى لحظة تأسيسية تقول بوضوح: المال العام لم يعد غنيمة بلا صاحب.

له دولة.

وله شعب.

وله ذاكرة لن تنسى.


مشاهدات 23
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/06/29 - 2:57 PM
آخر تحديث 2026/06/30 - 3:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 221 الشهر 28657 الكلي 15904138
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير