الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ليذق الفاسد مرارة ما صنعه

بواسطة azzaman

ليذق الفاسد مرارة ما صنعه

حامد الضبياني

 

هناك جرائم لا تُرتكب بسكين ولا برصاصة، بل تُرتكب بقلم يوقّع عقدًا فاسدًا، أو بختم يبدّد ثروة وطن، أو بمنصبٍ يتحول إلى سوقٍ لبيع أحلام الناس. إن الفساد ليس رقمًا في تقرير، بل هو طفلٌ نام جائعًا لأن المال الذي كان ينبغي أن يصل إلى مائدته اختفى في جيب مسؤول، وهو مريضٌ لفظ أنفاسه لأن دواءه أصبح عمولة، وهو شابٌ دفن عمره في البطالة لأن الوظيفة بيعت لمن يدفع أكثر، وهو قريةٌ عطشى تجاور نهرًا لأن ميزانية الماء تحولت إلى أرصدةٍ في مصارف بعيدة.ولذلك فإن العدالة لا تكون كلماتٍ تُلقى في المؤتمرات، بل شعورًا حقيقيًا بأن من صنع المأساة لن يبقى معزولًا عنها داخل أسوارٍ مكيّفة، بينما الشعب يواجه حرارة الصيف وانقطاع الكهرباء ورداءة الخدمات. إن العقوبة التي لا تجعل الفاسد يدرك حجم الخراب الذي تسبب به تتحول إلى إجراءٍ إداري لا إلى ميزان حق.

ليس المطلوب الانتقام، فالانتقام يُشبه الجريمة حين يفقد بوصلته الأخلاقية، وإنما المطلوب عدالةٌ صارمة تجعل الفاسد يرى بأم عينيه آثار أفعاله، وأن يعيش لحظة التأمل في الخراب الذي خلفه، وأن يدرك أن ملايين العراقيين لم يكونوا أرقامًا في ملفات، بل بشرًا لهم وجوه وأحلام وأطفال ينتظرون حياةً كريمة.لقد عاش العراقي سنواتٍ طويلة وهو يعتاد انقطاع الكهرباء، ويعتاد شح الماء، ويعتاد مستشفياتٍ تعجز عن إنقاذ المرضى، ومدارس تتآكل، وطرقات تبتلع الأرواح، فيما كانت ثروات البلاد تُهدر بلا رحمة. وهذه ليست مصادفات، بل نتائج مباشرة حين يغيب الضمير ويصبح المنصب غنيمةً لا مسؤولية.إن الفاسد لا يسرق المال فقط، بل يسرق الزمن، ويؤجل مستقبل أمة، ويصنع اليأس في قلوب الشباب، ويزرع الشك في نفوس الناس حتى يصبح المواطن غريبًا في وطنه. وما من عقوبةٍ أشد على الإنسان من أن يقف أمام ضميره يومًا وهو يرى أن حياة الملايين انكسرت بسبب قراراته.العراق اليوم لا يحتاج إلى مشاهد تشفي الغليل، بل يحتاج إلى قضاءٍ لا يخاف، ودولةٍ لا تساوم، وقوانين تُسترد بها الأموال المنهوبة، ويُحاسب بها كل من خان الأمانة، مهما علا منصبه أو اشتد نفوذه. فحين تصبح العدالة فوق الجميع، لن يجرؤ أحد على مد يده إلى قوت الفقراء أو مستقبل الأجيال.إن الأمم لا تنهض بالكراهية، بل بالعدل، ولا تُبنى بالثأر، بل بالمحاسبة التي تعيد للناس ثقتهم بالدولة. وعندما يشعر كل من خان وطنه أن القانون سيلاحقه حتى آخر فلسٍ سرقه، عندها فقط سيدرك الجميع أن العراق بدأ يكتب صفحةً جديدة، عنوانها أن الوطن لم يعد مزرعةً للفاسدين، بل بيتًا تحرسه العدالة، ويصونه القانون، ويستعيد فيه الإنسان كرامته التي طال انتظارها.

ملاحظة..

أبرز الأسماء المتهمة بالفساد التي ألقي القبض عليها اليوم  رسميا... حسب وكالة الأنباء العراقية..

 

 

 


مشاهدات 49
الكاتب حامد الضبياني
أضيف 2026/06/29 - 4:28 PM
آخر تحديث 2026/06/30 - 2:29 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 182 الشهر 28618 الكلي 15904099
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير