الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عيشة الكلاب

بواسطة azzaman

عيشة الكلاب

  فيصل عبدالحسن

 

   كلما نظرت لأحوال كلاب الشوارع في العراق شعرت بحقيقة صادمة ان مخلوقات الله تحب الحياة حتى لو كانت تلك الحياة حياة شظف ومعاناة وذل شديد.  كلاب الشوارع تقضي أيامها في جحيم الصيف العراقي بلا تكييف ولا كهرباء تشغل لها مروحة؛ وتكتفي بقيء ألسنتها الطويلة لكي تبرد نفسها؛ معظمها تسير بأرجل مكسورة؛ لا يرحمها كل من أستطاع ان يرمي حجرا باتجاهها؛ فهي لا تجد الطعام ميسرا ولا حتى فضلة طعام تالفة؛ ومَنْ يرمي طعاما زائدا وهو يستطيع أن يقضي عليه في نهاره وليلته قبل أن يتلف في هذا الحر الشديد؟!!   صيفها عذاب وشتاؤها عذاب، برد ومطر حيث لا مأوى، فهي تلتحف السماء وتنام في وجار مصطنع تحت درج سطح أو حفرة بين الأنقاض؛ تقضي ليلها مستيقظة تحرس بيوت المحلة من أي وافد غريب حتى لو كانت قطة قادمة من حي آخر؛ تحرس البيوت التي هي عادة مقفولة الأبواب، موصدة النوافذ. تدور في الشوارع لا أحد يكافئها على هذه الحراسة المجانية، وسهرها الطويل على حماية الحي من كل وافد غريب.  وعند الفجر تراها ممددة على أسفلت الشوارع عسى أن تجد بعض البرودة من ليل شديد الحرارة، وقد يبلغ النعاس والتعب بها حدا، فتنام نومة الموتى، فتدهسها السيارات المارقة، وتلقى العجلات بجثثها على حافات الشوارع.   حقيقة لا أدري من أي مكان تجد هذه الكلاب البائسة الماء لتشربه خصوصاً في شهور الصيف، فالماء مقطوع عن الحي في أكثر الأوقات؛ والماء الصالح للشرب عزيز ويشترى من الباعة المتجولين بعبوات.    حياة الكلاب صعبة حقا صيفا وشتاء؛ تراها بجلود هرأتها الالتهابات، وبعضها مصاب بالجرب، وأمراض جلدية أخرى، فهي تحك جلودها بالجدران حتى تدمى جلودها، عيونها مغلقة إلا من فتحة كالخيط بفعل الدموع اتي تذرفها، ولا ندري هل هي دموع حزن أم إفرازات مرضية؟!!   كلما رأيتها أحسست أن لا أمل لهذه المخلوقات بالحياة، ولا أدري كيف تتناسل مع كل هذا البؤس والأمراض، وهذا العذاب مع حياة لا رحمة فيها، وقد صدقت استنتاجاتي فلم أرَ جروا واحداً يهرول وراء أمه في الحي، فهل هي تأكل جراءها بسبب الجوع الشديد، فتختفي آثار الجراء في الحي، وهذا إتهام معقول أم أنها لا تتناسل حقاً ؟.   كلاب لا أخوة لها ولا بنوة لأمهات، فالجميع عدو الجميع وكل منها يبغض الجميع، ويتقاتل معه من أجل لا شيء بل ويتعارك مع ظله أن يراه يسير أمامه، عدوانية عجيبة، لا تجدها في أكثر حيوانات الغابة توحشاً!!    بعضها ممن يمتلك الشجاعة حين ينتابه اليأس من هذه الحياة القذرة التي يعيشها يفكر ويفكر باحثاً عن طريقة للخلاص من هذا العذاب، فيقوده تفكيره الحيواني إلى حكمة الأجداد الميامين من كلاب القبيلة، أن يستخدم غريزته الحيوانية بدلا من فكرة العيش المسالم مع هكذا واقع متوحش، فيعمد إلى عض أول عابر سبيل؛ فيتم نعته ككلب عقور، وينال على فعلته جزاءه العادل أما بوضع السم له أو قتله رميا بالرصاص، وكلتا الميتتين أحد أحلام الكلاب الشجاعة الأثيرة التي ستخلصهم من حياة الذل والجوع والعطش والحر؛ فلا تشعر بعدها بعطش ولا حر ولا جوع ولا ضياع في هذه المدينة الجاحدة، وللأسف بعض العراقيين يصف حياته بأنها كعيشة كلاب الشوارع، فعذرا لكل من يجد تشابها بين عيشته وعيشة هذه الكلاب المسكينة!!

 

 


مشاهدات 44
الكاتب   فيصل عبدالحسن
أضيف 2026/06/29 - 3:19 PM
آخر تحديث 2026/06/30 - 2:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 182 الشهر 28618 الكلي 15904099
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير