الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قمّة أنقرة 2026.. الناتو في أخطر إختبار لوحدته منذ الحرب الباردة

بواسطة azzaman

قمّة أنقرة 2026.. الناتو في أخطر إختبار لوحدته منذ الحرب الباردة

علاء العاني

 

تشهد العاصمة التركية انقرة يومي 6 و8 تموز /يوليو المقبل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وسط ظروف دولية بالغة التعقيد، وفي وقت يشهد فيه النظام الدولي تحولات متسارعة لم تشهدها الساحة العالمية منذ انتهاء الحرب الباردة. وتأتي القمة بعد أسابيع من تداعيات المواجهة الامريكية الإيرانية الأخيرة التي كشفت عن تباينات واضحة داخل الحلف بشأن طبيعة التعامل مع الازمات الدولية وحدود الانخراط العسكري فيها، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة متجددة حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، ومستقبل الحلف نفسه في عالم يتجه تدريجياً نحو تعدد مراكز القوة والنفوذ

ولعل  مأسوف يمنح هذه القمة أهمية استثنائية هو أنها لا تأتي في سياق اجتماع بروتوكولي اعتيادي، بل في لحظة مفصلية تواجه فيها منظومة الأمن الغربي تحديات متشابكة تبدأ من الحرب الأوكرانية ولا تنتهي عند التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومن المعروف أن قمم الناتو غالباً ما تعقد في المنعطفات الكبرى التي تتطلب قرارات استراتيجية تعيد رسم أولويات الحلف وتحدد اتجاهاته المستقبلية

ومن المفيد التذكير بأن حلف الناتو تأسس في الرابع من نيسان/أبريل عام 1949 بمشاركة اثنتي عشرة دولة غربية بهدف مواجهة النفوذ السوفيتي خلال الحرب الباردة. وبقيت مهام الحلف لعقود طويلة محصورة عملياً في الدفاع الجماعي عن أوروبا وأمريكا الشمالية، إلا أن انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينات دفع الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها إلى توسيع نطاق أدواره ومهامه خارج حدوده التقليدية حيث وسعوا في منتصف التسعينات ساحات الحلف الى العالم كله ،وبتبرير التدخل بدوافع إنسانية وأيضا حماية الأقليات الدينية ،ليتحول الحلف تدريجياً إلى فاعل دولي يتدخل في أزمات وصراعات متعددة تحت عناوين براقة كالأمن الجماعي ومكافحة الإرهاب وإدارة الأزمات الدولية.

ملفات دولية

ومنذ ذلك الحين شارك الحلف بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عدد من الملفات الدولية المثيرة للجدل، بدءاً من البلقان وأفغانستان وصولاً إلى ليبيا، فيما بقيت الحرب على العراق عام 2003 إحدى أكثر المحطات إثارة للنقاش بشأن طبيعة التدخلات العسكرية الغربية وأهدافها الحقيقية وما رافقها من تدمير للبنى التحتية والمنشئات الصناعية والزراعية والاقتصادية والعمرانية ، خصوصاً بعد الجدل الواسع الذي أحاط بالمبررات التي استندت إليها تلك الحرب وما اعقبها من مراجعات وانتقادات وتكذيب داخل الولايات المتحدة الامريكية وخارجها .

أما القمة المقبلة، فمن المتوقع أن تركز بصورة أساسية على قضية الإنفاق الدفاعي، إذ تضغط الولايات المتحدة باتجاه رفع مساهمات الدول الأوروبية في ميزانيات الدفاع، وصولاً إلى أهداف أكثر طموحاً من النسب المعمول بها حالياً. كما ستناقش القمة مسألة إعادة توزيع المسؤوليات العسكرية داخل الحلف بعد مؤشرات على تقليص بعض الالتزامات العسكرية الأمريكية في أوروبا، الأمر الذي أثار مخاوف لدى عدد من العواصم الأوروبية بشأن مستقبل المظلة الأمنية الأمريكية

ومن الملفات المهمة أيضاً استمرار الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا، وتطوير الصناعات الدفاعية المشتركة، ورفع جاهزية القوات الأطلسية، إضافة إلى أمن الممرات البحرية الدولية ولاسيما بعد الأحداث التي شهدتها منطقة الخليج ومضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة

علاقات سياسية

وفي خضم هذه التحولات يبرز العامل التركي بوصفه أحد أهم العوامل المؤثرة في مستقبل الحلف. فتركيا لم تعد مجرد عضو عسكري يمتلك ثاني أكبر جيش داخل الناتو، بل تحولت إلى قوة إقليمية فاعلة تمتلك شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية تمتد من البحر الأسود إلى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وإفريقيا. واستطاعت انقرة خلال السنوات الأخيرة الحفاظ على توازن دقيق بين التزاماتها الأطلسية ومصالحها الوطنية، الأمر الذي منحها هامشاً واسعاً للحركة في العديد من الملفات الدولية.

كما أن استضافة أنقرة لهذه القمة تعكس إدراكاً متزايداً داخل الحلف لأهمية الموقع التركي ودوره في إدارة الأزمات الإقليمية، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من تغيرات استراتيجية عميقة. وليس من المستبعد أن تشكل القمة فرصة إضافية لتعزيز المكانة التركية داخل منظومة الأمن الأطلسي في السنوات المقبلة.

ومع ذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة يتمثل فيما إذا كانت الخلافات التي ظهرت خلال الأزمة الأمريكية الإيرانية الأخيرة مجرد تباينات عابرة، أم أنها تعكس تحولات أعمق داخل بنية الحلف. فبعض الدول الأوروبية باتت تتحدث بصورة متزايدة عن ضرورة امتلاك قرار أمني أكثر استقلالاً عن واشنطن، فيما تتنامى في المقابل قوى دولية منافسة مثل الصين، وتستعيد روسيا حضورها كلاعب مؤثر في التوازنات الدولية، الأمر الذي يضع الحلف أمام تحديات لم تكن مطروحة قبل عقدين أو ثلاثة عقود.

 

  بقية المقال على الموقع الالكتروني لجريدة (الزمان)

وبينما تتجه أنظار العالم إلى مخرجات قمة أنقرة، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الناتو على المحافظة على وحدته الاستراتيجية في المرحلة المقبلة ام ان التحولات الجيوسياسية المتسارعة بدأت تفرض واقعا جديدا يتجاوز الصيغة التقليدية للتحالف؟ فالتغيرات المتسارعة في موازين القوى العالمية التي ظهرت خلال الازمات الأخيرة، والاعتراضات الاوربية المتزايدة على بعض السياسات الامريكية، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، وتصاعد النزعات الوطنية داخل عدد من الدول الغربية، فضلاً عن الجدل المستمر حول حجم الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا، كلها عوامل تدفع نحو إعادة التفكير حول مستقبل حلف الناتو نفسه، وأيضا شكل التحالفات الدولية خلال العقود القادمة

ومن هنا لا يبدو مستبعداً أن تكون قمة أنقرة أكثر من مجرد اجتماع لقادة الدول الأعضاء، بل محطة مفصلية قد تكشف ملامح النظام الدولي القادم. فإما أن ينجح الحلف في التكيف مع المتغيرات الجديدة والحفاظ على تماسكه، وإما أن تدخل منظومة التحالفات الغربية مرحلة إعادة تشكل قد تفضي مستقبلاً إلى ظهور ترتيبات أمنية وتحالفات مختلفة تتناسب مع عالم لم يعد يشبه ذلك العالم الذي نشأ فيه الناتو قبل أكثر من سبعة عقود.


مشاهدات 35
الكاتب علاء العاني
أضيف 2026/06/29 - 2:58 PM
آخر تحديث 2026/06/30 - 3:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 220 الشهر 28656 الكلي 15904137
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير