هموم ثقافية
عدي عدنان البلداوي
=============
لا يزال الكاتب والباحث العربي عموماً ، والعراقي بشكل خاص يؤدي كل الأدوار بنفسه في رحلة تأليفه الكتاب . إذ لا يزال الجو الثقافي جواً مقصوراً على صاحبه ، لا يكاد يجد من يشاركه فيه حتى من افراد عائلته ومقربيه ، إلا من أوتي حظاً منهم .. لذا نتوجع كلما رحل كاتب وعالم الى العالم الآخر وقام ابناؤه ببيع مكتبته أو إهدائها الى جهة ما . وكبرت مساحة الألم حين أخذ بعض الكتّاب يتبرعون بمكتباتهم في أواخر أيام حياتهم الى مكتبة عامة أو جهة ثقافية معينة ، لأنهم لم يجدوا من ورثتهم من يحمل هذه التركة القيّمة . لا شك انه مؤشّر مؤلم على إبتعاد نفوس وعقول المقرّبين من الكاتب والعالم والمفكر عن روح الثقافة . لأن الكاتب لم يوفق في نقل تلك الروح الى أحدهم، فكان إقدامه شخصياً على إهداء مكتبته ، إجراءً يشعر معه انه يتجاوز الألم الذي ينتابه وهو يرى مكتبة صديق له قد بيعت أو تخلّص منها ابناؤه بأي طريقة بعد مفارقته الحياة . وأضيفت الى دراما إهداء المكتبات الخاصة بعض التلحيظات التي تجمّل المشهد وتطيّب النفس نوعاً ما ، حين يُعلن على العامة خبر إهداء العالم الفلاني والمفكر الفلاني والكاتب الفلاني مكتبته مع صور شخصية توثق ذلك ، وقيام الجهة المستلمة للمكتبة بوضع إسمه على المكتبة كما هو حاصل في دور كتب رسمية ، ومكتبات عامة ومراكز الثقافية .
وسواء كان عدم توفيق الكاتب في نقل روح الثقافة الى أحد أبنائه ، سببه رؤيته المحدودة ، أو ضعف همّته على التوفيق بين عالمه الثقافي وجوّه الأسري الإجتماعي ، أو ان أدوات الزمان قد تغيرّت وجاء تيّار جارف أخذ الأولاد بعيداً عن الشاطئ الذي حطّ عنده الكاتب رحـالـه وألِف أجـواءه . فإن كل ذلك يـؤشّـر عنـدي الى حصول توقف في تفاعل المثقف مع أدوات عصر أبنائه وإن كان يعيش إستخدامها معهم . لكنه لم يوفّق الى آلة ربط بين زمانه وزمانهم ، فتجد كثيراً من الأطباء والمهندسين والكفاءات المعرفية في المجتمع هم أبناء أدباء وكتّاب ومفكرين ومؤلفين ، لكنهم في الأعم الأغلب ليسوا مثقفين كما هو حال آبائهم . فهم مهنيون ، يؤمنون بالتخصّص، أو هكذا وجدوا أنفسهم . وقد يبدو ذلك ملموساً في بعض المجالس الثقافية التي يحضرها أدباء وعلماء وأكاديميون تقدّم بهم العمر ، فكنت نادراً ما أرى أحدهم يرافقه إبنه أو إبنته ، وإن حصل فإنهم يحضرون بصفاتهم المهنية لا بصفات ثقافية ، وهو لا شك نوع من أنواع الخسارة التي نتجرّعها على مضض.