ملحمة الروح وإنتصار الحقيقة
نوري جاسم
ليست عاشوراء صفحةً من صفحات التاريخ تُقرأ ثم تُطوى، وليست ذكرى تستحضرها العواطف في موسمٍ ثم تغيب، بل هي ملحمة روحية خالدة، تجاوزت حدود الزمان والمكان لتصبح ضميرًا حيًا للإنسانية، ومدرسةً مفتوحة لكل من يبحث عن الحقيقة، ويؤمن بأن القيم الكبرى لا تموت، وإن سقط أصحابها شهداء. ولقد وقف الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء موقفًا لم يكن هدفه الانتصار بالسيف، وإنما الانتصار للحق. وكان يعلم أن ميزان القوة المادية لا يميل إلى جانبه، لكنه كان يمتلك قوةً أعظم، هي قوة الإيمان، ونقاء الرسالة، وصفاء المقصد. لذلك تحولت كربلاء من معركة محدودة في زمانها إلى قضية خالدة في معناها، ومن واقعة تاريخية إلى منهج أخلاقي وروحي لا يزال يلهم الأجيال. إن سر خلود الحسين لا يكمن في حجم المأساة، بل في عظمة الرسالة. فالدم الذي أريق في سبيل المبادئ لم يكن نهاية الطريق، وإنما بداية حياة جديدة للقيم التي حاول الظلم أن يطمسها. ولهذا بقيت عاشوراء تتجدد في ضمير الإنسانية، لأنها تمثل انتصار الحقيقة على الزيف، والكرامة على الذل، والحرية على الاستبداد. ومن المنظور الروحي، فإن كربلاء ليست مواجهة بين أشخاص، بقدر ما هي مواجهة أبدية بين النور والظلمة داخل الإنسان نفسه. ففي كل نفسٍ كربلاء صغيرة، ينتصر فيها العقل على الهوى، والصدق على النفاق، والمحبة على الكراهية، والإيمان على الخوف. ومن ينتصر في هذه المعركة الداخلية يكون قد أدرك جوهر رسالة عاشوراء. إن أعظم ما تقدمه عاشوراء للإنسان المعاصر هو دعوتها إلى إصلاح النفس قبل إصلاح الآخرين، وإلى بناء الضمير قبل بناء المؤسسات، لأن المجتمعات لا تتغير بالقوانين وحدها، وإنما تتغير عندما تنتصر القيم في داخل الإنسان. فكل إصلاح حقيقي يبدأ من القلب، وكل نهضة صادقة تبدأ من تزكية النفس. ولهذا، فإن استذكار الإمام الحسين عليه السلام ينبغي أن يكون مناسبةً لإحياء قيم الصدق، والإخلاص، والرحمة، والتسامح، وخدمة الإنسان، لا مناسبةً لتغذية الانقسام أو الكراهية. فالحسين لم يكن مشروع فرقة، بل كان مشروع إصلاح، ولم يكن صوته صوت الانتقام، بل صوت الضمير الذي أراد أن يعيد للأمة إنسانيتها ورسالتها. وإن العالم اليوم، وهو يواجه أزمات العنف والكراهية وفقدان المعنى، أحوج ما يكون إلى استلهام الدروس الأخلاقية والروحية التي أشرقت من كربلاء. فالحضارات لا تبنى بالقوة وحدها، وإنما تبنى بالعدل، ولا تستقر بالهيمنة، وإنما تستقر بالمحبة، ولا تدوم بالمصالح المجردة، وإنما تدوم بالقيم التي تحفظ كرامة الإنسان. وهكذا تبقى عاشوراء ملحمة الروح وانتصار الحقيقة؛ لأنها علمتنا أن الإنسان قد يخسر معركةً في ظاهرها، لكنه يربح التاريخ إذا ثبت على المبدأ، وأن الدم الزكي قد يهزم السيف، وأن نور الحق، مهما حاصرته الظلمات، لا ينطفئ أبدًا. وهذه هي الرسالة الخالدة التي لا تزال كربلاء تبعثها إلى العالم في كل عام: أن الحق باقٍ، وأن الإنسان يسمو بقدر وفائه للمبادئ التي يؤمن بها، وأن الروح التي تتصل بالله لا تعرف الهزيمة، لأن الحقيقة هي المنتصر الأخير دائمًا. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.